الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٦٧ - جلده و صبره
و العمل، و لذلك الإخلاص نفذت بصيرته، فصار يعرف الحق من غير عائق يعوقه، و كان مع ذلك فيه ذكاء شديد، و إحاطة واسعة و علم غزير ... الخ.
حضور بديهته:
و كان رضي اللّه عنه حاضر البديهة، تجيئه إرسال المعاني في وقت الحاجة إليها من غير حبسة في الفكر، و لا عقدة في اللسان، و إن مناظراته الفقهية الكثيرة تكشف عن بديهة حاضرة، و انظر إليه و أبو حنيفة يسأله في أربعين مسألة، فيجيب عنها من غير تردد و لا تلكؤ، مبينا اختلاف الفقهاء فيها، و ما يختار من أقوالهم، و ما يخالفهم جميعا فيه.
و إن مناظراته التي كان يلقم بها الزنادقة و غيرهم الحجة، ما كانت ليستقيم فيها الحق لو لا بديهة تسعفه بالحق في الوقت المناسب و لننقل لك مناظرة له في العدل بين الأزواج أثارها زنديق.
قال الزنديق: أخبرني عن قول اللّه تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً [النساء: ٣] و قال في آخر السورة: وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ [النساء: ١٢٩].
قال الصادق: أما قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً [النساء: ٣] فإنما عنى النفقة و قوله تعالى: وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ [النساء: ١٢٩] فإنما عني بها المودة، فإنه لا يقدر أحد أن يعدل بين امرأتين في المودة.
و إن حضور البديهة من ألزم اللوازم لقادة الأفكار و الأئمة المتبعين، فلا توجد قيادة فكرية لعبي في البيان و لا توجد قيادة فكرية لمن عنده حبسة في المعاني.
جلده و صبره:
لقد كان أبو عبد اللّه الصادق ذا جلد و صبر و قوة نفس، و ضبط لها، و إن الصابرين هم الذين يعلون على الأحداث، و لا يزعجهم اضطراب الأمور عليهم و نيلهم بالأذى، و كان الإمام الصادق صبورا قادرا على العمل المستمر الذي لا ينقطع، فقد كان في دراسة دائمة.
و كان مع ذلك الصبر و ضبط النفس عبدا شكورا، و إنا نرى أن الصبر و الشكر