الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٩١ - حديث عن المستشرقين
واقع لا جدال فيه، و لكن هل يمكن أن نتصور المكانة التي يحتلها هذا الواقع في الحركة الفكرية الحديثة في البلاد الإسلامية؟
إن الأعمال الأدبية لهؤلاء المستشرقين قد بلغت في الواقع درجة خطيرة من الإشعاع لا نكاد نتصورها، و حسبنا دليلا على ذلك أن يضم مجمع اللغة العربية في مصر بين أعضائه عالما فرنسيا، و ربما أمكننا أن ندرك ذلك إذا لاحظنا عدد رسالات الدكتوراه، و طبعة هذه الرسالات التي يقدمها الطلبة السوريون و المصريون كل عام إلى جامعة باريس وحدها. و في هذه الرسالات كلها يصر أساتذة الثقافة العربية في الغد أولئك الذين سيكونون باعثي النهضة الإسلامية يصرون- كما أوجبوا على أنفسهم على ترديد الأفكار التي زكاها أساتذتهم الغربيون.
و عن هذا الطريق أوغل الاستشراق في الحياة العقلية للبلاد الإسلامية محددا لها اتجاهها التاريخي إلى درجة كبيرة.
و أيا ما كان الأمر فإن الشباب المسلم المثقف في بعض ديار الإسلام يرى نفسه مضطرا إلى أن يلجأ إلى مصادر المؤلفين الأجانب خضوعا لمقتضيات عقلية جديدة، و لعله يقدم إلى حد كبير منهجها الوضعي الديكارتي و هناك أيضا قضاة و شيوخ و معممون مدرسون يتذوقون فيها رشاقتها الهندسية.
هذا كله لا غبار عليه لو لم يضم الاستشراق بمناهجه سوى الموضوع العلمي و لكن الهوى السياسي الديني قد كشف عن نفسه بكل أسف في تأليف هؤلاء المتخصصين الأوروبيين في الدراسات الإسلامية برغم أنها تدعو إلى الإعجاب حقا.
فلم يكن الأب لامانس [١] الذي ظل نموذجا للمستشرق الطاعن على الإسلام و رجاله- الحالة الوحيدة التي يمكن أن تلحظ فيها العمل الصامت لتقويض دعائم الإسلام فقد كان لهذا الرجل (الشاطر) فصل في الكشف عن بغضه الشديد للقرآن و لمحمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).
[١] هو هنري لامنس اليسوعي ١٨٦٢- ١٩٣٧ بلجيكي المولد فرنسي الجنسية من أوائل الجامعة اليسوعية ببيروت تنقل شرقا و غربا ما بين سنة ١٨٩١- ١٨٩٧ فدرس اللاهوت في إنجلترا و تولى إدارة التبشير في بيروت.
له مؤلفات كثيرة: الحكام الثلاثة أبو بكر و عمر و أبو عبيدة و منها كتاب فاطمة بنت محمد (عليه السلام) و السيرة، و موقف الإسلام من الفنون المصورة، و مهد الإسلام و غير ذلك.