الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٧٤ - استنتاج و تعقيب
و قد عامل العلويين بالشدة، و قابلهم بالنقمة، و عامل أنصارهم بأقسى أنواع الظلم و الإرهاب، و القتل و التشريد، بعد أن عجز عن جلبهم إليه و استخدامهم في دولته ليأمن جانبهم، و يمضي في حكمه بدون معارضة أو مؤاخذة.
و لكن الشيعة قد آثروا الانفصال عن الدولة، مهما نالهم من تعذيب و تنكيل، اتباعا لأوامر الإمام الصادق (عليه السلام) زعيم أهل البيت في عصره، عند ما أعلن غضبه على الدولة و أمر الناس بعدم الركون إلى حكامها.
و هكذا تمر الأدوار، و تعظم الأحداث، و يذهب ملك و يأتي آخر، و موقف الشيعة موقف ثبات و معارضة في جميع الميادين، و قد رسخت أقدامهم على ما اعتقدوه، و هان عليهم في سبيل ذلك ما يلاقونه، من ضروب المحن، و قدموا التضحيات المجيدة، حتى عرفوا في قاموس لغة السياسة (إنهم أمة هدامة أو حزب ثوري لا يعترفون بنظام الحكم القائم).
و ليس من الصحيح أن يؤخذ مفهوم الشيعة بأمثال هذه التعريفات، فالشيعة يعترفون بنظام الحكم الإسلامي الذي تتخذه الدولة شعارا لها، و لكن المعارضة من الشيعة إنما هي لنفس الحكام، إذ لم يسيروا على ما يوجبه ذلك النظام و قد لعبت بهم الأهواء و الشهوات، و حكموا بنظم مختلفة و آراء مضطربة، لا تتفق مع نظم الإسلام و تعاليمه، و ما يدعونه من المحافظة على ذلك فهو بعيد عن الواقع. و ثورة الشيعة و معارضتهم إنما هي من أجل تطبيق نظام الإسلام الذي رفضه حكام الجور، و أن أعمالهم التي سجلها التاريخ تعطي صورة عن تلك الأمور المتناقضة، و الإنكار على ذلك من أعظم الأخطار التي تهدد الدولة، فمن واجبها أن تقضي على المنكرين لتلك الأعمال.
و الشيعة- مما لا جدال فيه- هم حملة لواء المعارضة و باسمهم تقوم الثورات المتتالية على تلك الأعمال المخالفة للإسلام، و كان شعورهم بوجوب القضاء على ذلك النظام الفاسد يبدو مرة، و يكمن أخرى، و يظهر حينا و يختفي حينا آخر، و هكذا حتى أصبحوا قادة المعارضة (و أبدوا في ذلك ضروب البسالة فلم يثنهم إرهاب، و لم تلن لهم قناة، و لقد كانوا موضع إعجاب الناس و تقديرهم، و لذا فإن الخليفة الذي كان يشد قبضة الإرهاب على الشيعة كان يستفز بمسلكه جمهور المسلمين و يثير حفيظتهم) [١].
[١] ثورة الزنج ص ٣٦.