الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٢ - تمهيد
لمذاهبهم، من افتراء في القول و كذب في النقل، و وضع أحاديث عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بما يؤيد المذهب، و يشد عضد أنصاره، من أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بشر برئيس المذهب الذي يتبعونه قبل ولادته، و وضع آخرون منامات مبشرة، و هي في الاعتبار عندهم كاليقظة من وجوب الأخذ بها، و كلا الأمرين لا يصح منه شيء، لأنها ادعاءات وهمية يقصدون بها تقويم شخصية إمامهم من وفور علم، و علو منزلة، و شرف بيت، حتى قال بعض الحنيفة: إن أهل الكوفة كلهم موال لأبي حنيفة [١]. أي أنهم كانوا عبيدا فأعتقهم، مع العلم بأن أبا حنيفة كان فارسي الأصل.
و بهذه الزوائد ملأوا صفحات كتب المناقب، كما وصفوهم ببطولات لا يعترف التاريخ بها، و أحاطوا شخصياتهم بهالة من آيات المديح و الإطراء، بما يضفي عليهم لباس قدسية رفعتهم عن مقام البشرية، و صوّرتهم بمنتهى درجة من الكمال تبلغ بهم العصمة، و إن لم يصرحوا بها.
و مهما يكن من أمر: فإن تلك الأقوال الناتجة عن مؤثرات سياسية أو اجتماعية عقيمة النتائج إذ هي مبالغات و غلو أوجدهما النشاط المذهبي، عند ما عظم الخلاف بين أتباع أئمة المذاهب (و دب التقليد في صدورهم دبيب النمل و هم لا يشعرون، و كان سبب ذلك تزاحم الفقهاء و تجادلهم فيما بينهم) [٢].
و قد مرت الإشارة إلى الظروف القاسية التي مرت بالمسلمين من جراء الاختلاف بين معتنقي المذاهب فأصبحوا أعداء متباعدين، بعد أن كانوا إخوة متحابين، و أدى الأمر إلى القتل و النهب و حرق الأسواق، و تخريب المساجد و هدم الدور، و لا ندخل هنا في تفاصيل تلك الحوادث المؤلمة، و نكتفي بما أشرنا إليه في الأجزاء السابقة.
و الآن و قد لخصنا باختصار أثر ذلك الانقسام الذي حل بالمسلمين يجدر بنا أن نولي وجوهنا شطر المسلمين من أتباع مذهب أهل البيت- و هم الشيعة- لنرى ما نالهم من أثر ذلك الانقسام و ما أدى إليه ذلك التدخل من أعداء الدين، الذين يبثون العداء و يثيرون الأحقاد لإيقاع الفتنة و يخوضون تلك المعارك بوجه مقنع. فلا بد أن ننظر
[١] مناقب أبي حنيفة للمكي ج ١ ص ١٧٤.
[٢] حجة اللّه البالغة للدهلوي ج ١ ص ١٢٣.