الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٠ - تمهيد
لقد مرت أجيال و هم يعتقدون أن ليس لأحد بعد الأئمة الأربعة أن يجتهد في الشريعة الإسلامية، و الخارج عن المذاهب الأربعة- و هو رأي الجمهور- صاحب بدعة، و كل بدعة ضلالة، و كل ضلالة في النار.
و من المضحكات (بل المبكيات) أن تتغلغل هذه العقيدة في الجماهير الإسلامية، حتى نجد من يسأل عن مذهب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): أ شافعي أم مالكي؟ و غفلة العوام من غفلة الخواص. هكذا يقول الدكتور زكي مبارك و عليه عهدة ما يقول.
و نحن لا تعوزنا النصوص التاريخية على تأييد قوله، فقد وقفنا على رأي من يزعمون بأن رئيس مذهبهم كان أعلم من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في القضاء [١].
و آخرون يقال لهم: قال رسول اللّه فيقولون: قال فلان. كما أن الكثير منهم (تمسكوا بأقوال أئمتهم تمسكا جعلهم يقدمونها على كتاب اللّه و سنة رسوله) [٢] و مهما يكن من أمر فإن تلك الاتجاهات التي سار عليها المتعصبون بعيدة عن روح الإسلام و مفاهيمه، فهي أمور ارتجالية، غذتها الأنانية و تولت بثها دعاية التضليل تقويضا لصرح تماسك الأمة، الذي يقف حائلا دون كل خطر يهدد المجتمع الإسلامي في الداخل و الخارج.
نعم ليس من روح الإسلام و مفاهيمه، تحامل طائفة على أخرى و اتهامها بالزندقة، و الخروج عن الإسلام، لمجرد الخلاف في الرأي. فالشافعي يكفر الحنبلي، و الحنبلي يكفر الشافعي، و هكذا بدون التفات إلى واقع الأمر، و ما ينجم عن ذلك من خطر على الأمة الإسلامية.
و إن تلك المساجلات الجدلية حول المذاهب، قد خرجت عن النطاق العلمي إلى الأمور التافهة من الهزل و المجون، و من أظرف ما جرى بين الحنفية و الشافعية قول الحنفية لهم: ما جسر إمامكم أن يخرج إلى الوجود حتى مات إمامنا. و يجيبهم الشافعية: بل إمامكم ما ثبت لظهور إمامنا [٣] و ذلك أن الشافعي ولد في السنة التي مات فيها أبو حنيفة سنة ١٥٠ ه و قيل في
[١] تاريخ بغداد ج ١٣ ص ٤١٢.
[٢] همم ذوي الأبصار ص ٥١.
[٣] الغيث المنسجم في شرح لامية العجم ج ١ ص ١٦٥.