الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٠٦ - شيوخه
الثاني- إننا يجب أن نحترم الحقائق قبل أن نحترم الشخصيات، و الحقيقة التي لا غبار عليها أن القول بحضور الإمام زين العابدين (عليه السلام) في حلقة زيد كان من أعظم ضروب التجني على الحقائق، لأنه أبعد ما يكون عن الواقع، و ذلك بغض النظر عن علو منزلة الإمام زين العابدين: إذ هو أفقه قريش في عصره، بل أفقه الأمة على الإطلاق. و ليس في عصره من يدانيه في منزلته، أو يماثله في علمه و معارفه.
و بعد أن فحصنا سند الرواية، و ظهرت علتها يلزمنا أن نفحص الرواية نفسها، و قد انكشف لنا أن زيد بن أسلم لم تكن له حلقة درس في عصر الإمام زين العابدين، لأن زيدا كان حدث السن لم يتجاوز عمره الخامسة و العشرين عند وفاة الإمام زين العابدين (عليه السلام) فإن ولادة زيد سنة ٦٦ ه و وفاته سنة ١٢٦ ه. و كانت ولادة الإمام زين العابدين (عليه السلام) سنة ٣٨ ه و وفاته سنة ٩٢ ه فالإمام زين العابدين (عليه السلام) أكبر من زيد بثمان و عشرين سنة.
فهل يستطيع أحد أن يفرض حلقة درس لشاب حدث السن مع وجود شيوخ المدينة، و سادات قريش، و كبار رجال العلم، مع أن علماء الرجال قد ذكروا زيد بن أسلم في عداد تلامذة الإمام زين العابدين و رواة حديثه [١] و هو أصغرهم سنا، و إن أبي الشيخ إلا الإصرار على رأيه فإني لا أتهمه هنا في علمه، بل أتهمه في عاطفته و جدله، فهو يقر بهذا الأمر، كما يقول في كتاب الإمام زيد [٢] بعد أن ذكر التقاء زيد بواصل بن عطاء: أ يصح أن نقول إن زيدا تتلمذ على واصل؟ إن الرجلين في سن واحدة، فقد ولد كلاهما في سنة ٨٠ من الهجرة النبوية أو قريبا من ذلك [٣]، و يظهر أنهما عند ما التقيا كان زيد في سن قد نضجت، لأن واصلا [٤] لا يمكن أن يكون في مقام من يدرس، إلا إذا كان في سن ناضجة.
[١] الخزرجي في خلاصة تذهيب الكمال ص ١٣١ و تذكرة الحفاظ ج ١ ص ١٢٤ و تهذيب الأسماء و اللغات للنووي ج ١ ص ٢٠٠ و غيرها من كتب الرجال.
[٢] كتاب الإمام زيد لأبي زهرة ص ٣٩.
[٣] الصحيح أن ولادة زيد كانت سنة ٦٦- ٦٧ و ما ذكر هنا غير صحيح، و إن ذكر ذلك بعض المؤرخين، لأن الثابت أن أم زيد اشتراها المختار بن أبي عبيدة، و كان قتل المختار سنة ٦٧ ه.
[٤] هو أبو حذيفة واصل بن عطاء الغزال المتولد سنة ٨٠ ه و المتوفى سنة ١٣١ ه رئيس المعتزلة الأول، و هو واضع الأصول الخمسة التي يرتكز عليها الاعتزال، و روى الجاحظ عنه أنه كان يزعم أن جميع المسلمين كفروا بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هو تلميذ الحسن البصري، و اختلف معه في مسألة مرتكب الكبيرة و اعتزل عنه، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل، فسمي هو و أصحابه معتزلة.