الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٨٢ - تمهيد
و هذا التعصب يجعل الدارس لحياتهم يتحمل عناء في البحث، و جهدا في التنقيب، لطول المسافة و بعد الهدف، و لكن مؤلفات (أبو زهرة) تبدو أنها أقرب الطرق و أوصلها للغاية بالنسبة لتلك المؤلفات، فهو يعالج كثيرا من الأمور و يوجهها حسب ما يراه، و ما يصل إليه تفكيره فيجعل من الشك يقينا و من اليقين شكا، مع تساهله في النقل و تسامحه عما يرد في كثير من المواضيع التي تحتاج إلى بسط و بيان.
التقيت بالشيخ أبو زهرة في كتبه عن حياة أبي حنيفة، و الشافعي، و مالك، و أحمد، فوجدته كاتبا غير متعصب على أحد منهم، و هو إلى الإعجاب و التقدير لهم جميعا أقرب، فلا يميل مع أحد، و لا يتحامل على آخر، فهو كاتب للجميع لا لمذهب دون آخر، و قد أعرض عن كثير من الزوائد التي ذكرها اتباع أئمة المذاهب الذين خرجوا بها عن حدود الاتزان في الاندفاع وراء أوهام التعصب، و خداع العاطفة، و تضليل التعصب.
و الآن التقي به في كتابه عن حياة الإمام الصادق (عليه السلام) و هو آخر ما كتبه في الدراسات عن الشخصيات التي عني بدراسة حياتهم، و الكتابة عنهم، و هم: أبو حنيفة، و الشافعي، و مالك، و أحمد، و ابن تيمية، و ابن حزم و زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام).
و كان هذا التأخير مبعث استغراب، إذ الواجب يقضي عليه تقديم الكتابة عن الإمام الصادق قبل غيره من رؤساء المذاهب الإسلامية و غيرهم، فهو مقدم عليهم بالرتبة الزمنية، و الرتبة العلمية، إذ هو المعلم الأول لهم و أستاذهم، فأبو حنيفة و مالك و غيرهم ممن أصبحوا رؤساء مدارس و أئمة حديث قد أخذوا عنه، فليس هو دونهم بل له فضل السبق، و لا يمكن أن يؤخر عن نقص و لا يقدم عليه غيره من فضل. كما يقول المؤلف نفسه [١].
فالتأخير يبعث على الاستغراب من كاتب للتشريع الإسلامي، و تاريخ تطوره، و نشأة مذاهبه، لأنه كاتب للجميع و يصف نفسه بالإنصاف و عدم التحيز، و لكنه اعتذر عن الكتابة في حياة الإمام الصادق بقلة المصادر [٢].
[١] الإمام الصادق لأبي زهرة ص ٣.
[٢] الإمام زيد ص ٤.