الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٢٤ - الإمام الصادق و انصرافه إلى العلم
و نحن نأمل أن تلاحظ هذه الملاحظات عند كل باحث لإعطاء البحث عن تاريخ أهل البيت و أتباعهم مزيدا من التأمل و التريث، و عدم إرسال القول بسرعة، و إعطاء الحكم بعجالة، فإن تأثير ذلك التدخل الجائر في شئون الأمة قد غير كثيرا من الحقائق، و أوجد كثيرا من المشاكل في طريق الباحث المتحرر.
و إن الحصر الذي ذكره ابن القيم الجوزية [١] كان من جراء ذلك التأثر، شأنه شأن كثير من المؤرخين.
و على كل حال: فإن اتجاه الأمويين في سياستهم ضد أهل البيت، قد وجهوا به كثيرا من الناس في طريق الانحراف عن الواقع؛ لأنهم كانوا يحاولون القضاء على مآثر أهل البيت، فلا يسمحون لأحد أن يذكرهم بخير، أو يروي عنهم شيئا، و من خالف عوقب بأشد العقاب.
و يعطينا الحسن البصري صورة جلية عن ذلك. فإنه على عظم منزلته في الدولة الأموية كان لا يذكر عليا، و إذا حدث عنه يقول: قال أبو زينب و يظهر الابتعاد عن علي (عليه السلام) حتى ظهر منه ما يوجب الإنكار عليه، فقال له أبان بن عياش: ما هذا الذي يقال عنك أنك قلته في علي؟
فقال: يا ابن أخي أحقن دمي من هؤلاء الجبابرة- يعني بني أمية- لو لا ذلك لسالت بي أعشب [٢].
و قال أبو حنيفة النعمان بن ثابت: إن بني أمية كانوا لا يفتون بقول علي، و لا يأخذون به، و كان علي لا يذكر في ذلك باسمه، و كانت العلامة باسمه بين المشايخ أن يقولوا قال الشيخ [٣].
و لعل من المستحسن أن نعود لمناقشة الأستاذ حول كثير من آرائه، و إصدار أحكامه بدون دراسة للأمور، و معالجة للموضوع، استسلاما لما نقله بعض، أو قاله
[١] هو محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزرعي الدمشقي الحنبلي، المتولد سنة ٦٩٠ ه و المتوفى سنة ٧٥١ ه كان من تلامذة ابن تيمية، و سجن معه، و له حملات على سائر الطوائف بلهجة قاسية، و له قصيدة نونية يذكر فيها عقائد الفرق و ينتصر بها للمجسمة.
[٢] الحسن البصري لابن الجوزي ص ٧.
[٣] مناقب أبي حنيفة للمكي ج ١ ص ١٧١.