بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٠٠ - إذا بني على نفوذ الرجوع فهل يضمن الباذل ما يتحمله المبذول له في سبيل إتمام الحج والعود إلى وطنه؟
وذلك لأن مقتضى هذه القاعدة هو ضمان السبب لا المباشر، كما هو الملاحظ في مختلف مواردها، حتى في مورد الإكراه، فإن المكرَه على الإتلاف لا يضمن شيئاً وإنما تشتغل ذمة المكرِه ببدل المال المتلف.
ولكن يمكن أن يقال بأن مستند القاعدة المذكورة هو بناء العقلاء، وهم يفرقون بين المكره والمضطر، لأن المكرَه تكون إرادته مقهورةً لإرادة المكرِه، ولذلك يحمّل المكرِه ضمان ما يتمّ إتلافه بمباشرة المكرَه من دون أن تشغل ذمة المكرَه بشيء.
وأما المضطر فإن إرادته مستقلة أقصى الأمر أنه يقدم على التصرف في مال الغير من دون أن يكون مأذوناً في ذلك دفعاً لضرر أشد، فهنا يحكم عليه هو بالضمان، ولكن إذا غرم للمالك يحكم على السبب بلزوم تحمله عنه، أي أنه لا يحكم عليه بالضمان من حيث تسببه إلى تلف مال الشخص الثالث بل من حيث تسببه إلى تلف مال دافع الغرامة، إذ لو لم يجعله مضطراً إلى التصرف في مال الغير لما ضمن بدله وخسر ماله في تعويض المالك عنه، فليتأمل.
ومهما يكن فقط ظهر بما تقدم أن الوجه الثالث المذكور في كلمات بعض الأعلام (طاب ثراه) دليلاً على ضمان الباذل لما يصرفه المبذول له ــ بعد رجوعه عن البذل ــ في سبيل إتمام حجه أو العود إلى بلده تام في بعض الموارد فقط، ولا يصلح للاستناد إليه في جميعها.
(الوجه الرابع): ما ذكره جماعة من الأعلام (قدّس الله أسرارهم) من التمسك بقاعدة الغرور، وهي (المغرور يرجع إلى من غرَّه) أي أن من يغرّ شخصاً فيوقعه في خسارة مالية بسبب ذلك يجوز أن يرجع إليه المغرور ويطالبه بالتعويض عما لحقته من الخسارة.
ووجه تطبيقها في المقام هو أن ما يتحمله المبذول له من كلفة إتمام الحج، ونفقة العود إلى وطنه بعد رجوع الباذل عن بذله إنما هو مما وقع عليه بسبب الباذل، حيث إنه غرَّه ببذله، فتوهم أنه يمكنه أداء الحج بلا تحمل شيء من كلفته، إلا أن الباذل قد رجع عن بذله في الأثناء فوقعت كلفة الحج في ما بقي