بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣١٩ - إذا بني على نفوذ الرجوع فهل يضمن الباذل ما يتحمله المبذول له في سبيل إتمام الحج والعود إلى وطنه؟
ولكن نفى آخرون عموم القاعدة لمورد الجهل، ومنهم السيد الحكيم (طاب ثراه) في مسألة البذل [١] ، حيث ذكر عدم ثبوت كون بناء العقلاء والمتشرعة على ضمان الغار إذا لم يكن قاصداً للإيهام وإيقاع المغرور في خلاف الواقع.
وقد يقال: إن الغرور في اللغة يتضمن معنى الخداع وما يقاربه، وهو ما لا يتحقق في مورد الجهل، فلا وجه للقول بشموله له كما تقدم عن السيد صاحب العروة (قدس سره) .
قال الجوهري [٢] : (غرَّه يغرّه غروراً: خدعه) وقال أيضاً [٣] : (اغتر بالشيء خدع به)، وقال ابن سيدة [٤] : (غرَّه يغره غراً وغروراً، فهو مغرور: خدعه وأطمعه بالباطل)، وقال الخليل (رحمه الله) [٥] : (المؤمن غرّ كريم: يواتيك مسرعاً، ينخدع للينه وانقياده) ومثله ما ذكره ابن الأثير [٦] ، فيظهر منهما أيضاً أن الغرور يتضمن معنى الخداع غير المنطبق في مورد كون الشخص جاهلاً، وإن تسبب في إيقاع الغير في خلاف الواقع.
أقول: لا ينبغي الإشكال في كون الغرور متضمناً لمعنى الخداع ونحوه، كما نص عليه أهل اللغة، وهو المتبادر منه عرفاً. ولكن الخداع قد يقوم به الشخص، كما لو كان عالماً بالحال وتعمد إيهام الغير بما هو خلاف الواقع، وعندئذٍ يسند الغرور والخداع إليه، فيقال: (غرَّ فلان فلاناً). كما إذا أشار إليه بأكل الطعام وهو يعلم أن صاحبه لا يرضى بذلك فأكله اغتراراً بإشارته.
وقد يكون الخداع من جهة أخرى كـ(يد الشخص)، و(خبرته) و(ظاهر الحال) ونحو ذلك. فإذا كان تحت يده طعام وهو يجهل أنه ليس له، وقدمه لضيفه فأكله لذلك، فإنه وإن لم يصدق على المضيف أنه غرَّ ضيفه، ولكن يصح
[١] مستمسك العروة الوثقى ج:١٠ ص:١٤٥.
[٢] الصحاح ج:٢ ص:٧٦٩.
[٣] الصحاح ج:٢ ص:٧٦٨.
[٤] المحكم والمحيط الأعظم ج:٥ ص:٣٦٠.
[٥] العين ج:٤ ص:٣٤٦.
[٦] النهاية في غريب الحديث والأثر ج:٣ ص:٣٥٤.