بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣١ - لو التزم بكفاية الإباحة في تحقق الاستطاعة فهل يكفي مطلق الإباحة أم يعتبر فيها بعض القيود؟
الأحكام التكليفية، لأنها تنشأ بداعي التأثير في نفس المكلف بالاندفاع إلى فعل شيء أو الانزجار عن ارتكابه، فلا يعقل أن يُحكم في الزمان المتأخر بحرمة أو وجوب فعل في الزمان السابق على ذلك.
وأما الأحكام الوضعية كالملكية والزوجية فيتأتّى فيها الكشف الانقلابي، أي لا مانع من أن يحكم من زمان الإجازة بملكية المشتري للمبيع من حين إجراء العقد الفضولي، فتلحقه الآثار الوضعية الثابتة للملكية كتبعية النماء وضمان المنافع ونحو ذلك، وثبوتها يمنع من لغوية اعتبار الملكية.
وبالجملة: كما يعقل الكشف الانقلابي في الملكية يعقل في الإباحة الاعتبارية الإنشائية، لأن معناها ثبوت حق وضعي للمباح له، ولكنه لا يعقل في الإباحة الرضائية، لأنه لا يثبت فيها إلا الجواز التكليفي فقط.
٣ ــ إن الإباحة الإنشائية من سنخ العقود فهي بحاجة إلى إيجاب وقبول، وهذا بخلاف الإباحة الرضائية. ونظيرهما في ذلك الإذن والوكالة، فإنه لو أذن المالك لشخص في بيع متاعه يصير مأذوناً في البيع وإن لم يقبل الإذن، وأما لو وكله في بيعه فلا يصير وكيلاً إلا بقبول الوكالة.
وهكذا لو أباح للغير التصرف في ماله إباحة رضائية لم يتوقف حصولها على قبوله، وأما لو أباح إباحة إنشائية فلا تحصل الإباحة إلا بقبوله.
ومهما يكن فإن الإباحة كما مرَّ على نحوين: رضائية وإنشائية، وبينهما بعض الفروق، فما يظهر من جمع من الفقهاء (قدَّس الله أسرارهم) ــ منهم السيد الأستاذ (قدس سره) في كتاب المكاسب [١] ــ من انحصار الإباحة المالكية في الرضائية غير تام، بل الإنشائية أيضاً من الاعتبارات الدارجة عند العقلاء.
كما أن ما ربما يلوح من كلمات بعضهم من عدم الفرق بين الإباحة الإنشائية والرضائية، وكون العبرة في جواز التصرف في المال بالرضا القلبي مطلقاً، وعدم تأتي الفضولية في الإباحة الإنشائية وعدم الحاجة إلى القبول فيها مما لا يمكن المساعدة عليه. فإن صحة إنشاء الإباحة عند العقلاء دليل على أنها
[١] محاضرات في الفقه الجعفري ج:٢ ص:٨٢.