بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٩١ - إذا بني على نفوذ الرجوع فهل يضمن الباذل ما يتحمله المبذول له في سبيل إتمام الحج والعود إلى وطنه؟
كان حكماً بما يتدارك به الضرر، ولكن هذا خارج عن مفاد حديث نفي الضرر.
وأما القول بأن الحكم بالضمان وإن كان حكماً بالتدارك بالنظر الدقيق العقلي إلا أنه ليس كذلك في نظر العرف ــ فإنهم يرون في الضمان نفياً للضرر المتوجه إلى المبذول له ولو بمرتبة من مراتبه ــ فيرده بأن النظر الدقيق العرفي لا يوافق أيضاً على كون عدم الضمان ضررياً، وأما النظر المسامحي العرفي فلا عبرة به البتة.
نعم إذا بني على ثبوت الضمان في المقام وأمثاله بنظر العقلاء يكون عدم جعله ضررياً ــ كما في مثال الإنفاق ــ ولكن هذا أول الكلام.
الثاني: أنه لو سلّم أن عدم الحكم بضمان الباذل ضرري على المبذول له، إلا أن الحكم بضمانه ضرري على الباذل نفسه، فيتعارض الضرران، ولا ترجيح لأحدهما على الأخر ليكون هو المنفي بحديث لا ضرر.
ولكن هذا الكلام ضعيف، فإن حديث لا ضرر لا ينفي الحكم المجعول لتدارك الضرر، ومن ذلك الحكم بالضمان في مختلف موارده، كضمان الأمين إذا قصّر أو فرّط في حفظ ما اؤتمن عليه، فإنه لا يمكن نفيه بحديث نفي الضرر، والحكم بالضمان هنا لو قيل به فإنما هو لتدارك الضرر المتوجه إلى المبذول له فلا يكون مشمولاً للحديث المذكور من جهة كونه ضررياً على الباذل، وعلى ذلك فلا معارض لنفي عدم الضمان بذلك الحديث.
فاتضح بما تقدم أن الوجه الثاني المتقدم الذي قد يتمسك به للحكم بالضمان في مفروض المسألة، وهو إعمال قاعدة (لا ضرر) لنفي عدم الضمان مما لا يمكن المساعدة عليه، لأن عدم الضمان ليس ضررياً وإنما يتدارك الضرر بالحكم بالضمان، ولكنه خارج عن نطاق القاعدة المذكورة.
(الوجه الثالث): ما ذكره بعض الأعلام (طاب ثراه) [١] من أن قاعدة الضمان بالإتلاف (من أتلف مال غيره فهو له ضامن) تقتضي ضمان الباذل لما يصرفه المبذول له في سبيل إتمام حجه والعود إلى بلده، لأنه برجوعه قد تسبب
[١] المرتقى إلى الفقه الأرقى (كتاب الحج) ج:١ ص:١١٩.