بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٩٣ - إذا بني على نفوذ الرجوع فهل يضمن الباذل ما يتحمله المبذول له في سبيل إتمام الحج والعود إلى وطنه؟
المشرّع لا لإرادة السبب، كما إذا أقدم ــ والعياذ بالله ــ على تنجيس المسجد وكان غيره قادراً على تطهيره ولكن توقف على صرف المال، فإن ما يتوسط بين فعل السبب وهو التنجيس وبين تلف المال بصرفه في التطهير هو إرادة المكلف الخاضعة لإرادة الشارع المقدس، الذي أوجب تطهير المسجد عند تنجسه وإن اقتضى صرف المال. فهل يحكم في مثل ذلك بضمان السبب للمال المصروف أم لا؟
ذهب جمع إلى الحكم بالضمان ومنهم بعض الأعلام (طاب ثراه) قائلاً [١] : (إن عمل الشخص إذا كان مستلزماً لفعلية الحكم الشرعي الإلزامي على الغير الذي لا مفرَّ منه الموجب لصرف المال فإنه يعدُّ من مصاديق إتلاف مال الغير، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإن الحكم الشرعي بلزوم الحج على المبذول له ولزوم المضي في الإحرام بعد تحققه مجعول من قبل الشارع في نفسه، فإذا بذل الباذل المال للغير لأجل الحج فقد صار الحكم فعلياً قهراً، فإذا أحرم كان لزوم المضي بالإحرام ثابتاً في حقه ولا اختيار في رفعه. والمفروض أن امتثال هذا الحكم يستلزم صرف المال، فيكون صرف المال مستنداً إلى بذل الباذل. لكون إرادة الممتثل كإرادة المكره ضعيفة، وعدم كون الفعلية ــ أي فعلية الحكم ــ اختيارية للشارع، لأنها لا ترتبط به، بل هي ترتبط بتحقق الموضوع، لأن الشارع يجعل الحكم على تقدير وجود الموضوع، فإذا وجد الموضوع ثبت الحكم قهراً وكان فعلياً. وليس صرف المال بأزاء منفعة عقلائية تعود على المبذول له ويحتاجها الصارف في نفسه، فإنه كان في غنى عنها، ولا حاجة له فيها لولا البذل. وبالجملة: فالبذل والرجوع يُعدّ إتلافاً للمال وإن كان بإرادة المالك، لكنها إرادة ضعيفة كإرادة المكره فتشمله قاعدة الإتلاف).
وحاصل هذا الكلام هو أن في أمثال المقام لا تكون إرادة المباشر في صرف المال مقهورة لإرادة الشارع بل لإرادة السبب كما في مورد الإكراه، وذلك لأن فعلية الحكم بعد تحقق موضوعه قهرية وليست اختيارية للشارع، فلا
[١] المرتقى إلى الفقه الأرقى (كتاب الحج) ج:١ ص:١١٩ــ١٢٠ (بتصرف يسير).