بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٨٢ - إذا بني على نفوذ الرجوع وضعاً فهل هو محرم تكليفاً؟
دفعاً لضرر أكبر يقع فيه لو لم يقم بالضيافة كالمسِّ بكرامته ومكانته الاجتماعية ونحو ذلك.
ونظير هذا ما إذا كانت هناك كمية من الماء المباح، فبادر زيد إلى غسل الشارع به مع علمه بأن جاره عمرو يحتاج إلى الماء في الشرب والاستحمام، مما يضطره إلى شرائه لسدّ حاجته، فإنه وإن أدى ذلك إلى وقوع جاره في بعض الضرر المالي إلا أنه لا يعدُّ مرتكباً للحرام وهو الإضرار بالغير، لأنه مارس حقه في استعمال الماء المباح، وأما الجار المتضرر فقد تحمل الضرر بإرادته المستقلة دفعاً لضرر أكبر.
فيلاحظ أن هذه الموارد ونظائرها لما كان الشخص يمارس حقه الثابت له شرعاً وعرفاً فإنه لا يعدُّ مضراً بالغير، وإن كان يترتب على فعله اضطرار الغير إلى تحمل بعض الضرر بإرادته واختياره.
ومقامنا من هذا القبيل فإن من حق الباذل أن يرجع عن بذله سواء بالرجوع عن إذنه بالتصرف في المال، أو باسترداده المال الموهوب في مورد كون الهبة جائزة.
وأما اضطرار المبذول له بعد رجوع الباذل إلى صرف ماله لإتمام الحج فهو وإن كان فيه ضرر عليه، إلا أنه يقوم به بإرادته المستقلة ــ بمعنى عدم كونها مقهورة لإرادة الغير ــ إذ يدور أمره بين تحمل الضرر المالي وبين التخلف عن أداء الواجب ــ وهو إتمام الحج بعد الشروع فيه المستتبع لاستحقاق العقاب الأخروي، فيضطر إلى اختيار الأول لكونه أخف محذوراً.
وبالجملة: لا بد من التفريق بين الموارد، أي بين التصرف الذي يعدُّ ممارسة لحق مشروع وإن كان يترتب عليه تحمل الغير لشيء من الضرر بإرادته واختياره، وبين التصرف الذي يعدُّ اعتداء على الغير وتجاوزاً على شيء من حقوقه، وهذا الثاني هو الذي يندرج في الإضرار المحرم دون الأول.
فالنتيجة: أنه لا سبيل إلى القول بأن رجوع الباذل بعد إحرام المبذول له محرم من حيث كونه إضراراً به.