بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٨ - لو التزم بكفاية الإباحة في تحقق الاستطاعة فهل يكفي مطلق الإباحة أم يعتبر فيها بعض القيود؟
٢ ــ وأما في المقام الثاني وهو أنه على تقدير الالتزام بكفاية الإباحة في تحقق الاستطاعة فهل يكفي مطلق الإباحة أو يعتبر فيها بعض القيود؟
فتوضيح الحال فيه أن القيود المحتملة هنا هي ..
القيد الأول: أن تكون الإباحة مقترنة بتمكين المباح له من المال وجعله تحت تصرفه، فلا تكفي الإباحة المجردة عن ذلك، وقد مرَّ بعض أمثلتها آنفاً.
والظاهر أنه لا محيص من الالتزام باعتبار هذا القيد، لمكان قوله ٧ في صحيحة معاوية بن عمار: ((هذه لمن عنده مال)) في الإشارة إلى وجوب الحج المذكور في الآية الكريمة، فإنه قد مرَّ في بحث سابق [١] أن لفظة (عند) ــ كما نصَّ على ذلك بعض علماء العربية ــ إنما هي لبيان كون مظروفها حاضراً حساً أو معنى، ومن أمثلة الحضور المعنوي قول الرجل: (عندي مائة دينار) إذا كان يملك هذا المبلغ ولكنه في موضع بعيد عنه، ومن أمثلة الحضور الحسي قول الرجل: (عندي دار) إذا كانت الدار تحت يده وقد أبيح له السكنى فيها، وأما مجرد الإباحة من دون صيرورتها تحت تصرفه وسلطانه فلا يحقق الحضور المعتبر في استعمال لفظة (عند)، فلا يقال: (فلان عنده مال) إذا لم يكن يملك المال وإنما أبيح له التصرف فيه من دون أن يُمكّن من ذلك بالفعل.
وبالجملة: مقتضى صحيحة معاوية بن عمار عدم الاكتفاء في وجوب الحج بمجرد إباحة التصرف في المال من دون كونه تحت يد المباح له واستيلائه.
وأما قوله ٧ في صحيحة الحلبي: ((إذا قدر الرجل على ما يحج به)) فإن فُسِّر بما عن الخليل (رحمه الله) [٢] من أن معنى قولهم: (قدر على الشيء) هو أنه ملكه، اقتضى اعتبار الملكية في نفقة الحج فلا يتعلق بمحل الكلام، فليتأمل. وإن فُسِّر بمجرد التمكن كما يتعارف استعماله فيه في كثير من الموارد فقد مرَّ في بحث سابق [٣] أن مقتضى الجمع العرفي بينه وبين بعض الروايات الأخرى هو البناء
[١] لاحظ ج:٣ ص:٢٥٧.
[٢] العين ج:٥ ص:١١٣.
[٣] لاحظ ج:٢ ص:٤١٦.