بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٨٧ - الاعتراض الثاني
مثل أن يقال: إنّ ملاقاة النار متمّمة لاقتضائها للإحراق، لأنّ الملاقاة تحصّص النار، ذلك لأن النار الملاقية غير النار غير الملاقية، فالملاقاة من عوارض النار و شئونها، فيمكن أن تكون متمّمة لاقتضاء النار، و هذا بخلاف طلوع الفجر، فإنه ليس من محصّصات الشوق الكامل الموجود في عالم النفس حتى يتمّم فاعلية المقتضي.
و أمّا كونه ساقطا إذا قيل بأن الشرط يتمم قابلية القابل: ذلك لأن القابل في المقام هي القوى العضلية، و القوى المنبثة فيها، و هذه القوى قابليتها للتحرك تامة بالفعل، و ليس طلوع الفجر دخيلا في قابليتها للتحرك، حتى يلزم من تأخره و تعليقها عليه، عدم التحرك.
و عليه، فلا استحالة في تخلّف الشوق الكامل عن متعلّقه، لأن مثل هذا المتعلق يخضع لقوانين طبيعية خارجة عن اختيار النفس.
و أمّا بيان المدّعى في المقدمة الثانية فهو أن يقال: إنّ الإرادة التشريعية كذلك، لا يتخلّف فيها المراد عن الإرادة.
و من الواضح أنه ليس المراد من هذه المقدمة، أن كل إرادة تشريعية لا بدّ و أن يوجد مرادها، و إلّا لو كان هذا هو المراد في هذه المقدمة، إذن لما وجد عاص في الخارج، و إنما المقصود في هذه المقدمة، بيان الضعف و القصور في الإرادة التشريعية عن الإرادة التكوينية، حيث أن الإرادة التكوينية متجهة نحو تحريك نفس المريد بلا واسطة، بينما الإرادة التشريعية متوجهة نحو تحريك عضلات غير المريد، و من هنا نشأ ضعف الإرادة التشريعية عن الإرادة التكوينية.
لكن إذا فرضنا أن غير المريد منقاد للمريد انقيادا كاملا، و لا يتخلف عن إرادات مولاه، حينئذ تكون عضلاته كأنها عضلات مولاه، و هذه الواسطة قد فرغنا عنها بافتراض الانقياد، و حينئذ يصحّ القول إذن، بأنّ الإرادة التشريعية في حق العبد المنقاد لمولاه انقيادا كاملا، لا يتخلّف مرادها عنها.