بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٣٨ - المسلك الثاني مسلك المقدميّة
و الخلاصة إنّ هذا البرهان برهان مستقل، و هو غير برهان الدور في «الكفاية».
٣- البرهان الثالث: على إبطال مقدمية أحد الضدين للآخر، و هذا البرهان كأنه تطوير للأمر الأول من البرهان الأول، حيث أثبتنا هناك مانعية مقتضي أحد الضدين عن الضد الآخر، فيما إذا كان المقتضي مساويا، و بطريق أولى إذا كان غالبا، أو الآن في هذا البرهان الثالث، نريد أن نبرهن على أنّ المقتضي يكون مانعا عن تأثير مقتضيه، سواء أ كان غالبا أو مساويا أو مغلوبا، فالمقتضي الذي يقتضي السواد مثلا، سواء أ كان غالبا أو مساويا أو مغلوبا، يتصور فيه ثلاث احتمالات:
الاحتمال الأول: اقتضاؤه للسواد على وجه الإطلاق، سواء أ كان هناك جسم أبيض أو لا، من قبيل اقتضاء السحاب لنزول المطر، سواء أ كان هناك برد أو حر، فإن السحاب يقتضي نزول المطر مطلقا، و إن اقتضاءه غير مشروط بتقدير دون تقدير، و في المقام يقال، بأن اقتضاء مقتضي السواد للسواد أيضا مطلقا، سواء أ كان هناك بياض، أو لم يكن.
و هذا الاحتمال مستحيل، للزومه المحال، و ذلك لأنّه يقتضي تسويد البياض إذ إنّه بحسب الفرض، يقتضي التسويد مطلقا حتى مع البياض، و تسويد الأبيض بما هو أبيض محال ذاتا بلا إشكال، لأنّ اقتضاء مقتض للمحال محال في نفسه.
الاحتمال الثاني: هو أن يكون اقتضاء مقتضي أحد الضدين في نفسه مشروطا و منوطا بعدم الضد الآخر، كما لو كان اقتضاء مقتضي السواد للسواد، منوطا بعدم البياض.
و هذا الاحتمال هو ساقط أيضا، لأنّ هذا الاشتراط و إن اتّفق أحيانا لنكتة خاصة، كما لو قال لآخر: إن لم تبيّض هذه الورقة فسوف أسوّدها، فالتسويد مشروط بعدم وقوع التبييض من قبل الغير، فإنّ مثل هذا الأمر قد يتفق خارجا