بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٢٦ - ١- التنبيه الأول
لنرى ما هو مدلولها و دورها بعد إرجاع المسألة من المطلوب التشريعي إلى المطلوب التكويني، إذن لا بدّ من بحث مشكلة المقدّمات المفوّتة على مستوى المطلوب التكويني.
و ليعلم أن ما ذكره المحققون من الأصحاب، من الوجوه الخمسة و الصحيحة على منهجهم في البحث، هذه الوجوه لا تجدي نفعا على صعيد المنهج الذي طرحناه، فإن التمسك بالواجب المعلّق، و التمسك بالوجوب الفعلي المطلق من أول الأمر المتعلق بسد بعض حصص العدم، أو التمسك بدعوى كون الخطاب مقيّدا بطلوع الفجر، و لكن الإرادة و الملاك فعليّان قبل الطلوع، و من أول الأمر، هذه الوجوه الثلاثة كلها، مرجعها إلى دعوى كون الظرف الاستقبالي قيد في الترتّب، لا قيد في الاتصاف، و إن شوق المولى و حبّه فعليّ من أول الأمر، و غير منوط بطلوع الفجر، بحيث لو أمكنه أن يجر الفلك، و يحقق الفجر الآن، لجرّه و حقّق الفجر، لو كان اختياريا، فيكون «طلوع الفجر» قيدا في الترتب لا في الاتصاف. و مع فعليّة الإرادة حينئذ تخرج المقدمات المفوتة عن كونها مقدمات مفوتة، بل تصبح مقدمات معاصرة للإرادة، لأن المقدمات المفوتة هي التي يكون ظرف الإتيان بها قبل ظرف الإرادة.
و أمّا بناء على هذه الوجوه الثلاثة، تكون معاصرة للإرادة لا قبلها، و تكون الإرادة فعليّة قبل الطلوع، و غير مقيّدة به، و يكون «الفجر» قيدا للمراد لا للإرادة، و قيد الترتب لا قيد الاتصاف.
و هذه النكتة، و هي معاصرة المقدمات المفوتة للإرادة، يمكن إجراؤها في المطلوبات التكوينيّة، و ذلك بأن يقال: إن المولى إذا تعلّق غرضه و حبّه التكويني بأن يصوم هو عند الطلوع لا بعده، فحينئذ من الآن هذا الحب فعلي، بحيث أنه لو أمكنه أن يجر الفلك، و يحقّق طلوع الفجر الآن لفعل.
و من الواضح أن «طلوع الفجر» قيد ترتّب لا قيد اتصاف، إذن فيقوم هو بنفسه و يغتسل، لأنّ المقدمة معاصرة مع فعليّة الإرادة.