بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٢٩ - ١- التنبيه الأول
و هنا لا معنى لقولنا بأنه كان لا بدّ أن يأتي بها، و ذلك بقانون حكم العقل بوجوب الامتثال، لا معنى لقولنا ذلك لأنه لا امتثال و لا حكم لأحد في المقام، بحسب الفرض، و لأن إيجاب العقل لذلك، فرع أن يعقل اهتمام المولى نفسه بالمقدمات المفوتة لغرضه التكويني، قبل فعليته، كي يجب اهتمام المكلّف بها إذا أحرز ذلك، و أمّا إذا لم يعقل اهتمام المولى بذلك، فلا يحكم العقل بوجوب الامتثال.
و الخلاصة هي إنّه إذا كان المولى لا يهتم بالمقدمات المفوتة لغرضه التكويني إذن فلا يجب ذلك على العبد بطريق أولى، لأن العبد ليس أحرص من المولى على غرض المولى نفسه، فإذا لم يكن المولى حريصا على مقدمات غرضه تكوينا، فلا ملزم للعبد بها تشريعا.
و إن فرض أن المولى كان يتحفظ على المقدمات المفوتة لغرضه التكويني، و كان يأتي بها، حينئذ، لا بدّ أن نفتّش عن نكتة هذا التحفظ عند المولى الذي هو غير مسألة حكم العقل بوجوب الامتثال، لكي تكون تلك النكتة هي ملاك حكم المولى نفسه بوجوب المقدمات المفوتة و ملاك حكمه على العبد أيضا.
و قد أشرنا سابقا، أن ثلاثة من الأجوبة الخمسة التي قبلنا أن تدخل في منهج البحث، هذه الثلاثة مرجعها إلى شيء يمس النكتة، و إن القدر المشترك بينها، مرجعها إلى أن القيد المتأخر من قيود الترتب، لا الاتصاف.
و هذا معناه أن الاتصاف بالملاك فعليّ قبل القيد، و أن الإرادة فعلية قبل القيد، و حينئذ، يكون هذا علاجا لنكتة المشكلة، لأنه بذلك فرضت فعليّة الإرادة من أول الأمر، فتكون هذه الإرادة الفعلية هي المحركة للمولى نحو حفظ المقدمات المفوتة.
لكن قلنا سابقا أن هذا الجواب لا يفي بتفسير الواقع، لأنه لا يمكن الالتزام بأن القيد المتأخر في جميع موارد المقدمات المفوتة، يكون قيد ترتب