النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٥٨١ - المسألة ١٧٢
دون النوع الآخر، أى: أنهم يكتفون بوزنه الغالب الشائع فى أحد النوعين و يستعملونه فيه، و فى الآخر أيضا من غير أن يجمعوا المفرد جمع تكسير على وزن من الأوزان التى تشيع فى هذا النوع الآخر. و من الأمثلة استعمالهم فى القلة، و الكثرة معا: أرجل، و أعناق، و أفئدة (و هى جمع: رجل، و عنق، و فؤاد) مع أن صيغة: أفعل، و أفعال، و أفعلة-هى من الصيغ الغالبة فى القلة، فاكتفوا بها فى النوعين عند تكسير هذه الكلمات، و لم يجمعوا كلمة: رجل، و لا عنق و لا فؤاد، على صيغة من الصيغ الخاصة بجمع الكثرة.
و من الأمثلة أيضا عند تكسير المفردات؛ رجال و قلوب (جمع: رجل، و قلب) فى القلة و الكثرة، مع أن صيغة: «فعال» و «فعول» من الصيغ الغالبة فى الكثرة. فاكتفوا بها فى الدلالة على النوعين عند تكسير الكلمتين، و لم يجمعوا رجلا، و قلبا، على صيغة للقلة.
الأمر الثالث: أن العرب قد يستعملون صيغة شائعة فى أحد نوعى التكسير مكان صيغة وضعوها للنّوع الآخر، و شاعت فيه. فكلتا الصيغتين موجودة فعلا، و تشيع فى أحدهما [١] ، وحده، و لكنهم يستعملونها فى معنى الآخر؛ بقرينة فى
[١] فى صيغ جمع القلة و أنها قد تستعمل للكثرة و العكس-يقول ابن مالك فى أول باب عنوانه:
«جمع التكسير» -و سنذكر أبياته مرتبة هنا ترتيبها فى «ألفيته» -:
أفعلة، أفعل، ثمّ: فعله # ثمّت: أفعال-جموع قلّه
(ثمت: هى «ثم» العاطفة، زيدت فى آخرها تاء التأنيث المفتوحة) ، تلك صيغ القلة. و انتقل بعدها مباشرة إلى استعمالها فى الكثرة، و صيغ الكثرة فى القلة، فقال:
و بعض ذى بكثرة وضعا يفى؛ # كأرجل، و العكس جاء؛ كالصّفى
يقول: إن بعض هذه الأوزان يفى بالكثرة، أى: يدل عليها، و يغنى فيها كأرجل؛ جمع رجل؛ فإنها تكون للكثرة كما تكون للقلة. و هذا بالوضع العربى: أى: أن العرب وضعوا الجمع المكسر: «أرجل» للكثرة كما وضعوه للقلة فهو صالح للمعنيين، و لم يعرف لجمع: «رجل» صيغة مسموعة خاصة بالكثرة؛ فالوضع فى المعنيين أصيل و حقيقى. و لكن صيغته فى أحداهما أكثر شيوعا منه فى الآخر. و العكس صحيح كذلك، فقد جمعوا بعض الألفاظ لتدل على القلة، مع أنها مصوغة على وزن بعض الصيغ الشائعة فى الكثرة. -كما قلنا-و ضرب مثالا هو: . «الصّفىّ» جمع صفاة (بمعنى الصخرة الملساء و أصله: صفوى اجتمعت الواو و الياء و سبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء، عملا بقواعد الإعلال، و أدغمت الياء فى الياء، فصارت صفىّ، ثم قلبت الضمة قبل الياء كسرة؛ لأن الكسرة هى التى تناسبها؛ فصارت:
صفىّ بياء مشددة، و لم يشددها الناظم لضرورة الوزن) .