النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٥٨٠ - المسألة ١٧٢
فعند عدم القرينة تتعين القلة حتما؛ اعتمادا على أن الصيغة موضوعة فى أصلها للقلة، و مختصة بها؛ فلا يجوز إبعادها إلى الكثرة بغير قرينة؛ و إلا كان هذا إبعادا لها عن أصلها، و إخراجا منه إلى غيره مما لا تصلح له فى حقيقة و لا مجاز... [١]
و كما تتعين القلة عند عدم القرينة تتعين أيضا فى حالة ثانية؛ هى أن تكون تلك الصيغة الدالة على المعدود هى من الصيغ الموضوعة للكثرة، و العدد هو ثلاثة، أو عشرة، أو عدد آخر بينهما. و إنما تتعين للقلة هنا منعا للتعارض بين مدلول العدد و مدلول المعدود، لأن كل واحد من هذه الأعداد المفردة صريح فى دلالته على القلة، فلا يصح أن يخالفه معدوده فى مضمون هذه الدلالة، و لا أن يعارضه.
فلو كانت صيغة المعدود موضوعة فى أصلها للكثرة لكانت مع العدد المفرد للقلة.
و من كل ما تقدم يتضح أن معنى القلة يتعين و يتحتم وحده فى صورتين:
«الأولى، ... أن تكون صيغة المعدود هى من صيغ القلة المتجردة لدلالتها الأصلية، و لا توجد قرينة تبعدها عن هذه الدلالة، و تخرجها منها إلى الدلالة على الكثرة و «الثانية» أن تكون الصيغة الدالة على المعدود هى إحدى الصيغ الدالة على الكثرة، لكن العدد الخاص بها دال على القلة، كالعدد ثلاثة، أو عشرة، أو أحد الأعداد التى بينهما.
و عدد الصيغ الثانية المختصة بجموع الكثرة قد يزيد على ثلاثين، و لكن المشهور القياسىّ منها يقارب ثلاثا و عشرين صيغة. و سنعرف الكثير منها؛ مثل:
فعل، و فواعل، و مفاعل، و فعالى، و فعل... و... نحو: حمر، و جواهر، و معابد، و صحارى، و كتب...
و لاختيار نوع الصيغة الدالة على التكسير أثر آخر فى تركيب الأسلوب أحيانا، فوق أثره المعنوى السالف؛ ذلك أن صيغة جمع القلة يناسبها نون النسوة، و أن صيغة جمع الكثرة يناسبها تاء التأنيث؛ فقولنا: رأيت أذرعا امتددن... أفضل من امتدت-و للوالد أياد غمرت أبناءه... أحسن من غمرن [٢] ... و ما تقدم هو الأفضل و الأحسن، و لكنه ليس واجبا.
الأمر الثانى [٣] : أن العرب قد يضعون جمعا معينا على وزن صيغة خاصة بأحد النوعين، و لكنهم يستعملون هذا الجمع فى القلة حينا، و فى الكثرة حينا آخر، استعمالا حقيقيّا، لا مجازيّا-و القرائن وحدها فى السياق هى التى تعينه لأحد النوعين-بالرغم من أن الصيغة خاصة بأحدهما فقط، و أن وزنها يشيع استعماله عندهم فى نوع منهما
[١] إذ يشترط فى المجاز وجود القرينة التى تمنع من إرادة المعنى الأصلىّ...
[٢] لهذا إشارة فى رقم ٢ من هامش ص ٥٧٩ أما التفصيل ففى ص ٥٢٥.
[٣] تقدم الأمر الأول فى ص ٥٧٨.