النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣٣٨ - المسألة ١٤٩
زيادة و تفصيل:
(ا) يعرض النحاة هنا لمسألة هامة دقيقة، و يعطونها من العناية و التوفية ما يناسبها؛ و هى مسألة النفى [١] الذى قبل الفاء المسبوقة بجملة؛ أينصبّ على ما قبلها و ما بعدها معا، أم ينصبّ على أحدهما فقط؟و ما نوع الفاء و ضبط المضارع فى الصور المختلفة [٢] ؟و يجيبون: إن الأمر يتوقف على المعنى، و ما يقتضيه السياق؛ فقد يستدعيان تسليط النفى على ما قبلها و ما بعدها معا، و قد يستدعيان تسليطه على أحدهما دون الآخر... ثم هما قد يقتضيان اعتبار الفاء للاستئناف الخالص، أو للعطف المحض وحده، أو للعطف مع إفادة «السببية الجوابية» ...
و القرينة وحدها هى التى توجه إلى المراد؛ فلا بد منها، و إلا وجب العدول عن هذا الأسلوب إلى غيره مما لا يثير مشكلات فى الضبط أو المعنى. و فيما يلى البيان:
... إذا قلت: «ما تحضر فتحدثنا» ... جاز رفع الفعل: «تحدّث» على أحد اعتبارات ثلاثة؛ و جاز نصبه على أحد اعتبارين. و لكل واحد من الخمسة أثره الإعرابى و المعنوى الذى يخالف الآخر، و اختيار واحد منها دون غيره متوقف على مناسبته المعنى و السياق، و لا يصح اختيار واحد دون التقيد بهذه المناسبة، و إلا كانت اللغة عبثا و فوضى. فأوجه الرفع الثلاثة هى:
١-الرفع؛ على اعتبار الجملة الأولى منفية المعنى، و «الفاء» للاستئناف الخالص؛ فما بعدها جملة مستقلة فى إعرابها عن الأولى، فلا تتأثر بنفى الأولى. فكأنك تقول:
أنت ما تحضر فى المستقبل... ، و لهذا أنت تحدثنا الآن. إنما قلنا فى «المستقبل» مع أن المضارع يصلح للحال و الاستقبال إن لم يوجد مانع-لوجود ما يمنع الاستقبال هنا؛ و هو التخاطب مع شخص معين؛ فلا يصح أن تنفى عنه الحضور فى الزمن الحالى مع أنك تخاطبه فيه خلال حضوره. و قلنا: «الآن» ، لأن الزيارة فى المستقبل منفية؛ فلا يقع فى المستقبل حديث؛ إذ هو منفى تبعا لها؛ فلم يبق إلا أن يكون وقت الحديث هو الآن، أى: وقت الكلام.
و مثله قولك للمسافر: لن أراك عدة أشهر؛ فأودعك داعيا لك، حزينا لغيابك. تريد: لن أراك فى المستقبل [٣] ... فأنا أودعك الآن. فالنفى فى المثالين السالفين
[١] و مثله النهى-و سيجىء أيضا-.
[٢] انظر «جـ» من ص ٣٤٢.
[٣] لأن الحرف «لن» ينفى معنى المضارع فى المستقبل.