النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣٣٦ - المسألة ١٤٩
و هل من النفى المحض النفى الواقع بعد: «الاستفهام التقريرى» [١] ؛ كقول الوالد يعاتب ابنه العاق: ألم أتعهد شئونك صغيرا؛ فتتذكر فضلى؟-ألم أجاهد فى سبيل إسعادك فتحمد جهادى؟
الصحيح جواز الأمرين، النصب على اعتبار النفى محضا، و الرفع على اعتباره منقوضا و غير قائم؛ بسبب همزة التقرير، و بهما جاء القرآن. قال تعالى عن الكافرين: (أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهََا... ) بنصب المضارع: «تكون» . و قال فى آية أخرى: (أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً فَتُصْبِحُ اَلْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) ، برفع المضارع: «تصبح» [٢] ...
و إذا كانت فاء السببية حرف عطف دائما، و المعطوف بها هو المصدر المؤول بعدها-فأين المعطوف عليه؟
يقول النحاة: لا بدّ أن يكون المعطوف عليه مصدرا أيضا، ليتشابه المعطوف و المعطوف عليه فى المعنى المجرد [٣] . و فى هذه الحالة يتحتم أن يكون العطف عطف مفردات لا عطف جمل. فإن وجد مصدر فى الكلام قبلها فهو المعطوف عليه، و إن لم يوجد وجب تصيده من ذلك الكلام السّابق، و ليس لهذا التصيد ضابط
[١] الاستفهام الحقيقى هو: طلب معرفة شىء مجهول-حقا-للمتكلم. فهو يريد أن يعرفه.
أما الاستفهام التقريرى فيراد به-غالبا-ثبوت مدلول الشىء المسئول عنه، المعلوم للمتكلم؛ و تقريره فى نفس المخاطب، و السامع، أى: طلب الاعتراف بوقوعه و الموافقة على حصول مدلوله. فإن كان الاستفهام عن شىء منفى صار المعنى-غالبا-مثبتا بسبب الاستفهام المراد منه التقرير؛ نحو: ألم تحضر فأحسن إليك. فالمعنى: أنك حضرت فعلا، فأحسنت إليك. و منه (ألم نشرح لك صدرك.. ) و بسبب أنه يتضمن ثبوت المعنى المنفى، غالبا، و تقرير حصوله بغير نفى، قال بعض النحاة: إن المضارع لا ينصب معه بعد الفاء، و أن ما ورد منه منصوبا-كالآية الأولى (أ فلم يسيروا فى الأرض فتكون... ) فلمراعاة صورة النفى، و مظهره اللفظى، لا معناه، أو لمراعاة الاستفهام فى الكلام، فما بعد الفاء-فى هذه الصورة التى يراعى فيها الاستفهام-يكون جوابا للاستفهام؛ لا للنفى.
و لا يعنينا هذا الخلاف و ما تفرع عنه من فروع كثيرة. إنما الذى يعنينا هو جواز الرفع و النصب مع ملاحظة أن المعنى على أحدهما يخالف المعنى على الآخر حتما. و لهذا تكملة هامة فى رقم ٣ من هامش ص ٣٤١ (و تجىء إشارة موجزة-فى رقم ١ من ص ٣٥١-لبعض ما سبق)
[٢] انظر رقم ١ من ص ٣٥١ و قيل: إن كان ما بعد الفاء مسببا عما قبلها نصب المضارع؛ كالآية الأولى. و إلا رفع كالثانية؛ لأن رؤية نزول المال ليست سبب الخضرة.
[٣] مما يوضح هذا ما سبق فى ص ٣٠٩ و ٣١٠.