النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣١٧ - المسألة ١٤٩
لأنه حكم بالسلب على أمر، و الحكم بالسلب ينصبّ سريعا، دفعة واحدة؛ لا تدريجا-فى الصحيح [١] ...
و لو كانت «تعليلية» لوجب أن يكون ما قبلها سببا و علة فيما بعدها. و هذا لا ينطبق على ما نحن فيه؛ إذ ليس عدم صلاح الوالى للحكم هو السبب فى أنه يلتزم العدل. و من أمثلة «حتى» التى بمعنى: «إلا» قول علىّ رضى اللّه عنه:
«لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، و لا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه» [٢] .
و كذلك قول شوقى:
و ما السلاح لقوم كلّ عدّتهم # حتى يكونوا من الأخلاق فى أهب [٣]
..................... [٤]
***
[١] و هنا اعتبار آخر؛ هو أن الكلام قبل «حتى» منفى فى هذه الصورة؛ و المنفىّ لا يزول معنى نفيه إذا كانت «حتى» للغاية و تحققت الغاية. فعند تحققها يبقى معنى النفى قبل «حتى» على حاله.
و يترتب على بقائه فساد المعنى؛ إذ يكون التقدير: لا يصلح الوالى للحكم إلى أن يلتزم العدل، فإذا تحقق التزامه العدل لا يصلح للحكم.
و بهذه المناسبة نشير إلى أهم الأحكام الخاصة «بحتى الاستثنائية» ؛ و قد نبه العلماء إليها؛ لدقتها، و خفائها على كثير:
«أولها» أن «حتى» الاستثنائية تسبق-كثيرا-بنفى؛ يجعل معنى الجملة التى قبلها منفيا.
«ثانيها» أن معنى الجملة المشتملة على هذا النفى يظل على حاله عند التقدير مستمرا و منفيا لا ينقطع استمراره و نفيه بوقوع ما بعدها، مهما كانت الأحوال. و السبب فى هذا أن الاستثناء الذى تتضمن معناه، و تدل عليه «هو استثناء منقطع» -فى الأعم الأغلب- (أى: لا يكون فيه المستثنى. من جنس المستثنى منه، فهى بمعنى: «لكن» ساكنة النون) . كالذى هنا، و قد يكون متصلا أحيانا كالذى فى قوله تعالى: (لَنْ تَنََالُوا اَلْبِرَّ حَتََّى تُنْفِقُوا مِمََّا تُحِبُّونَ) فهى للاستثناء المتصل من عموم الأحوال.
«ثالثها» أن «حتى» تتضمن معنى «إلا» الخالية من «أن» بعدها. أما «أن» التى تظهر فى تأويل الجملة فهى «أن» المصدرية المضمرة وجوبا بعد «حتى» . فإذا وضعنا «إلا» مكان «حتى» ظهرت «أن» المضمرة؛ إذ لو كانت «حتى» بمعنى: «إلا» و «أن» معا لتكررت «أن» عند التأويل، و صار الكلام: لا يصلح الوالى للحكم: «إلا أن أن» يلتزم العدل، بذكر «أن» مرتين؛ إحداهما التى كانت مضمرة وجوبا مع «حتى» و الأخرى هى المزعومة خطأ بعد «إلا» .
[٢] استقامة اللسان: ترك الغيبة و النميمة، و كل لفظ يؤذى.
[٣] جمع: إهاب، بمعنى: جلد.
[٤] و من الأمثلة أيضا قول المتنبى:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى # حتى يراق على جوانبه الدم
و قول الآخر:
و لا ألين لغير الحق أتبعه # حتى يلين لضرس الماضغ الحجر