المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٣٤٣ - ٩- التخصيص العام بالمفهوم
الماضي فقد قيل أنه يدل بالأولوية على اعتبار العربية في العقد، لأنه لما دل على عدم صحة العقد بالمضارع من العربية، فلئن لم يصح من لغة أخرى فمن طريق أولى. و لا شك أن مثل هذا المفهوم إن ثبت فإنه يخصص العام المتقدم، لأنه كالنص أو أظهر من عموم العام، فيقدم عليه.
و أما التخصيص (بالمفهوم المخالف) فمثاله قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً* الدال بعمومه على عدم اعتبار كل ظن حتى الظن الحاصل من خبر العادل. و قد وردت آية أخرى هي: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ... الدالة بمفهوم الشرط على جواز الأخذ بخبر غير الفاسق بغير تبين.
فهل يجوز تخصيص ذلك العام بهذا المفهوم المخالف؟ قد اختلفوا على أقوال: فقد قيل بتقديم العام و لا يجوز تخصيصه بهذا المفهوم. و قيل بتقديم المفهوم. و قيل بعدم تقديم أحدهما على الآخر فيبقى الكلام مجملا. و فضل بعضهم تفصيلات كثيرة يطول الكلام عليها.
و السر في هذا الخلاف: إنه لما كان ظهور المفهوم المخالف ليس من القوة بحيث يبلغ درجة ظهور المنطوق أو المفهوم الموافق- وقع الكلام في أنه أقوى من ظهور العام فيقدم إليه، أو أن العام أقوى فهو المقدم، أو أنهما متساويان في درجة الظهور فلا يقدم أحدهما على الآخر، أو أن ذلك يختلف باختلاف المقامات.
و الحق أن المفهوم لما كان أخص من العام حسب الفرص فهو قرينة عرفا على المراد من العام، و القرينة تقدم على ذي القرينة و تكون مفسرة لما يراد من ذي القرينة، و لا يعتبر أن يكون ظهورها أقوى من ظهور ذي القرينة. نعم لو فرض أن العام كان نصا في العموم فإنه يكون هو قرينة على المراد من الجملة ذات المفهوم فلا يكون لها مفهوم حينئذ. و هذا أمر آخر.