المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٤٨٤ - التنبيه الثاني في الانصراف
ينعقد للكلام ظهور في الاطلاق حتى يتمسك بأصالة الإطلاق التي هي مرجعها في الحقيقة إلى أصالة الظهور.
و أما إذا كان الانصراف غير ناشئ من اللفظ، بل كان من سبب خارجي، كغلبة وجود الفرد المنصرف إليه أو تعارف الممارسة الخارجية له، فيكون مألوفا قريبا إلى الذهن من دون أن يكون للفظ تأثير في هذا الانصراف، كانصراف الذهن من لفظ الماء في العراق- مثلا- إلى ماء دجلة أو الفرات فالحق أنه لا أثر لهذا الانصراف في ظهور اللفظ في اطلاقه فلا يمنع من التمسك بأصالة الاطلاق، لأن هذا الانصراف قد يجتمع مع القطع بعدم إرادة المقيد بخصوصه من اللفظ. و لذا يسمى هذا الانصراف باسم (الانصراف البدوي) لزواله عند التأمل و مراجعة الذهن.
و هذا كله واضح لا ريب فيه. و إنما الشأن في تشخيص الانصراف أنه من أي النحوين، فقد يصعب التمييز أحيانا بينهما للاختلاط على الإنسان في منشأ هذا الانصراف. و ما أسهل دعوى الانصراف على لسان غير المتثبت، و قد لا يسهل إقامة الدليل على أنه من أي نوع.
فعلى الفقيه أن يثبت في مواضع دعوى الانصراف، و هو يحتاج إلى ذوق عال و سليقة مستقيمة. و قلما تخلو آية كريمة أو حديث شريف في مسألة فقهية عن انصرافات تدعى. و هنا تظهر قيمة التضلع باللغة و فقهها و آدابها. و هو باب يكثر الابتلاء به و له الأثر الكبير في استنباط الأحكام من أدلتها.
أ لا ترى أن المسح في الآيتين ينصرف إلى المسح باليد، و كون هذا الانصراف مستندا إلى اللفظ لا شك فيه، و ينصرف أيضا إلى المسح بخصوص باطن اليد. و لكن قد يشك في كون هذا الانصراف مستندا إلى اللفظ، فإنه غير بعيد أنه ناشئ من تعارف المسح بباطن اليد لسهولته، و لأنه مقتضى طبع الإنسان في مسحه، و ليس له علاقة باللفظ. و لذا أن جملة من الفقهاء أفتوا بجواز المسح بظهر اليد عند تعذر المسح بباطنها تمسكا باطلاق الآية، و لا معنى للتمسك بالاطلاق