المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ١٣ - ٥- دلالة صيغة النهي على الدوام و التكرار
غير أن بينهما فرقا من ناحية عقلية في مقام الامتثال، فإن امتثال
الزجر عن صرف الطبيعة و لكن الانزجار عن صرف الطبيعة لا يتحقق إلا بترك كل فرد من أفرادها و بذلك يحكم العقل بلزوم ترك كل فرد من افراد الطبيعة و ذلك لعلم العقل بأن المنزجر عنه (و هو صرف الطبيعة) لا يتحقق إلا بترك جميع الأفراد.
هذا محصل ما ذكره المشهور و تابعهم عليه المصنف.
و لكنه فاسد و يفسده امران.
الأول: ما ذكره بعض الأعلام و حاصله يتضح ببيان مقدمة و هي ان الطبيعة كالقتل و الشرب و نحوهما. تلاحظ بثلاث لحاظات.
الأول: أن تلاحظ سارية في جميع الأفراد فتكون حاكيه عن جميع مصاديقها و ذلك بمثابة إدخال كلمة (كل) على الطبيعة نحو كل قتل و كل شرب.
الثاني: ان تلاحظ في ضمن فرد واحد فتكون حاكيه عن مصداق واحد على نحو البدلية بين الافراد و ذلك بمثابة ادخال كلمة (واحد) على الطبيعة نحو قتل واحد و شرب واحد.
الثالث: ان تلاحظ مهملة دون الالتفات الى وجودها في ضمن فرد واحد او في ضمن جميع الافراد و هذا ما يعبر عنه بصرف الطبيعة اي يكون اللحاظ مقصورا على الطبيعة دون لحاظ شيء آخر.
اذا عرفت هذه المقدمة فنقول إن مدعى المشهور ان المادة في الأمر و النهي ملحوظة بلحاظ واحد و إنما كان الفرق من العقل و حينئذ نقول إما ان يدعوا انها ملحوظة باللحاظ الأول او الثاني او الثالث و جميعها لا تنتج مطلوبهم.
اما لحاظها باللحاظ الأول فلأنه حينئذ يكون الأمر تعلق بالطبيعة السارية في جميع المصاديق و مقتضى ذلك ان تدل الصيغة على البعث نحو جميع مصاديق المادة فيكون الأمر مثل النهي في الدلالة على التكليف بجميع المصاديق.