التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٣٧٢ - سورة الأسراء مكية و هي مائة و احدى عشرة آية
٥٧- أُولََئِكَ الآلهة اَلَّذِينَ يَدْعُونَ أي يدعونها المشركون هم بالذات يَبْتَغُونَ إِلىََ رَبِّهِمُ اَلْوَسِيلَةَ إلى اللّه أي يتوسلون إليه، و يسجدون له و يسبحون بحمده، فكيف تؤلّهون عبادا ضعافا أمثالكم؟ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ إن الذين تعبدون كعيسى و أمه-مثلا-يحرص كل منهما أن يكون أقرب إلى اللّه من الآخر في الطاعة و الاجتهاد وَ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ و عفوه أكثر مما ترجون وَ يَخََافُونَ عَذََابَهُ و غضبه أكثر مما تخافون إِنَّ عَذََابَ رَبِّكَ كََانَ مَحْذُوراً يحذره و يخافه الأنبياء و الأولياء، فكيف بغيرهم؟لأن الخوف من حيث هو من أفضل الطاعات و العبادات، بل أفضلها إن أثر أثره، و عمل عمله، و لا فرق أبدا بين العجب و التباهي بالنسب و المال و العجب و التباهي بالطاعة و العبادة.
٥٨- وَ إِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاََّ نَحْنُ مُهْلِكُوهََا قَبْلَ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ يأتي هذا اليوم و لا حيّ على وجه الأرض حيث تفنى الخلائق بالموت الطبيعي أَوْ مُعَذِّبُوهََا عَذََاباً شَدِيداً لأنها ركست و تمادت في الفساد و الانحلال، و البغي و الضلال.
٥٩- وَ مََا مَنَعَنََا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيََاتِ التي اقترحها المشركون إِلاََّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا اَلْأَوَّلُونَ طلب الأولون من أنبيائهم آيات خاصة، فاستجاب لهم سبحانه، و مع هذا أصرّوا على موقفهم الأول من الكفر و العناد، و ضرب مثلا على ذلك بقوله تعالى: وَ آتَيْنََا ثَمُودَ اَلنََّاقَةَ مُبْصِرَةً واضحة فَظَلَمُوا بِهََا كفروا بها و هم اقترحوها، و سبب نزول هذه الآية أن قريشا اقترحوا على رسول اللّه (ص) أن يجعل لهم هذا الجبل ذهبا، فأخبر سبحانه أنه لم يفعل ذلك لئلا يكذبوا فيهلكوا تماما كما جرى لثمود وَ مََا نُرْسِلُ بِالْآيََاتِ إِلاََّ تَخْوِيفاً يخوّف سبحانه عباده بما شاء من الآيات لعلهم يتعظون و يتقون، و في نهج البلاغة: «احتجاجا بالبينات و تحذيرا بالآيات ٦٠- وَ إِذْ قُلْنََا لَكَ يا محمد إِنَّ رَبَّكَ أَحََاطَ بِالنََّاسِ فهم في قبضته، و هو سبحانه ناصرك عليهم لا محالة فاصدع بما تؤمر، و لا تكترث وَ مََا جَعَلْنَا اَلرُّؤْيَا اَلَّتِي أَرَيْنََاكَ إِلاََّ فِتْنَةً لِلنََّاسِ جاء في تفسير الرازي ما نصه بالحرف الواحد: «قال سعيد بن المسيب-من التابعين و الفقهاء السبعة بالمدينة رأى رسول اللّه (ص) بني أمية ينزون على منبره، فساءه ذلك، و هذا قول ابن عباس في رواية عطاء» و أيضا نقل هذا البيضاوي و صاحب البحر المحيط أبو حيان الأندلسي، و صاحب التسهيل محمد بن أحمد الكلبي و غيرهم من المفسرين وَ اَلشَّجَرَةَ اَلْمَلْعُونَةَ فِي اَلْقُرْآنِ هي الأسرة الأموية عند من فسّر رؤيا النبي (ص) بهم، و في تفسير البيضاوي أن الحكم هو حظهم في الدنيا، يعطونه بإسلامهم، و على هذا كان المراد بقوله تعالى: الا فتنة للناس، ما حدث في أيامهم. وَ نُخَوِّفُهُمْ فَمََا يَزِيدُهُمْ إِلاََّ طُغْيََاناً كَبِيراً و إن قال قائل:
إذا كانت آيات التخويف و التحذير تزيدهم طغيانا فتركها خير و أفضل، لأن الغرض منها الإقناع و السمع و الطاعة-قلنا في جوابه: إن اللّه سبحانه أعلم بالأتقياء و الأشقياء من أنفسهم، و لكنه لا يأخذ أحدا إلا بقول أو فعل ظاهر و محسوس و من أجل هذا يأمر و ينهى، و يبشر و ينذر، و المؤمن يسمع و يطيع و يزداد إيقانا و إيمانا، و الشقيّ يزداد كفرا و عتوا، و معنى هذا أن التخويف و التحذير ليس سببا للعتو و الطغيان بل كاشفا عمّا هو كامن في الأعماق من طغيان، و زائد عما كان ظاهرا للعيان، و إلى هذا تشير الآية ١٢٤-١٢٥ من التوبة: «فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا فَزََادَتْهُمْ إِيمََاناً وَ هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ `وَ أَمَّا اَلَّذِينَ فِي