التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٥٨٥ - سورة يس
٦٥- اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلىََ أَفْوََاهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنََا أَيْدِيهِمْ بما ضربت و سرقت و كتبت و أشارت وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بما مشت وسعت. و تسأل: كيف تجمع بين قوله تعالى هنا:
نختم على أفواههم» و قوله في الآية ٢٤ من النور: «تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ» ؟و أجيب بأن للعباد غدا مواقف يؤذن لهم بالكلام في بعضها دون بعض. و نعطف على هذا الجواب:
أن اللّه سبحانه يختم على أفواه المجرمين حين شهادة الأيدي و الأرجل كما هو الشأن في أصول المحاكمات عندنا، فإذا انتهت الأعضاء من شهادتها، أطلق سبحانه الأفواه، و سأل أربابها: ما ذا تقولون في هذه الشهادة؟تأكيدا للحجة و إلزامهم بها.
٦٦- وَ لَوْ نَشََاءُ لَطَمَسْنََا عَلىََ أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا اَلصِّرََاطَ الأصل إلى الصراط فَأَنََّى يُبْصِرُونَ أي لو أراد سبحانه أن يعاقب المجرمين في الدنيا لأعمى أبصارهم حتى إذا أرادوا السير على الطريق و الاهتداء إليه لتعذر ذلك عليهم.
٦٧- وَ لَوْ نَشََاءُ لَمَسَخْنََاهُمْ عَلىََ مَكََانَتِهِمْ فَمَا اِسْتَطََاعُوا مُضِيًّا وَ لاََ يَرْجِعُونَ و أيضا لو أراد سبحانه أن يعاقبهم في الدنيا لجعلهم أجسادا بلا أرواح، لا يستطيعون الحركة ذهابا و لا إيابا.
٦٨- وَ مَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي اَلْخَلْقِ أَ فَلاََ يَعْقِلُونَ الشيخوخة آفة، تحوّل الإنسان من الإدراك إلى الخرف، و من القوة إلى الضعف و قد يصبح كالطفل الرضيع يعجز حتى عن قضاء حاجته الضرورية، و الموت أيسر من هذه الحياة و أفضل، و الغرض من هذه الإشارة أن يبادر الإنسان إلى التوبة و الصالحات من الأعمال قبل فوات الأوان.
٦٩-٧٠- وَ مََا عَلَّمْنََاهُ اَلشِّعْرَ حاول أعداء اللّه و الحق تكذيب محمد (ص) بشتى الوسائل، منها الرمي بالجنون، فرد عليهم سبحانه بقوله: «Bوَ مََا صََاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ -٢٢ التكوير» و منها أنه أخذ القرآن من أعجمي، فقال لهم، تقدست كلمته: «Bلِسََانُ اَلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ، وَ هََذََا لِسََانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ -١٠٣ النحل» و منها أنه شاعر، فقال عز من قائل: «وَ مََا عَلَّمْنََاهُ اَلشِّعْرَ وَ مََا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاََّ ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ» أين الشعر من القرآن؟فالشعر شعور يختلف و يتنوع تبعا لذات الشاعر و ميوله و تربيته، و القرآن إرشاد و هداية إلى العمل بالعلم و منطق العقل، و مصدر لشريعة إنسانية خالدة، و مقياس للأخلاق الفاضلة، و معجزة من السماء أنارت الطريق أمام العرب إلى حضارة عالمية شهدت كل الأمم بأنها النواة التي انطلقت منها أوروبا و الغرب إلى التقدم العلمي الحديث.
٧١- أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنََّا خَلَقْنََا لَهُمْ مِمََّا عَمِلَتْ أَيْدِينََا أَنْعََاماً و هي الإبل و البقر و الغنم، و كانت من وسائل الإنتاج و من مقومات الحياة، و ما زال لها أبعد الأثر، و المراد بالأيدي هنا أيدي الأسباب التي خلقها سبحانه، و تقدم في الآية ١٤٢ من سورة الأنعام و غيرها.
٧٢-٧٤- وَ ذَلَّلْنََاهََا لَهُمْ تنقاد حتى للطفل الصغير فَمِنْهََا رَكُوبُهُمْ في الأسفار، و عليها يحملون الأثقال.