التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٦١٤ - سورة الزّمر
تفتح هذه الآية باب التوبة على مصراعيه لكل مذنب مهما عظم الذنب و قبح، و لا تدع له من عذر و كذلك آيات التخويف و التحذير فإنها تتضمن الدعوة إلى التوبة، و قد وصف سبحانه نفسه بالتواب-بمعنى يقبل التوبة و يهيء أسبابها-في أكثر من عشر آيات معطوفا على كل ذلك قوله تعالى: إِنَّهُ لاََ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اَللََّهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْكََافِرُونَ -٨٧ يوسف... وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ اَلضََّالُّونَ -٥٦ الحجر» .
٥٤- وَ أَنِيبُوا إِلىََ رَبِّكُمْ وَ أَسْلِمُوا لَهُ... بعد ما دعا سبحانه المذنبين إلى التوبة ردد و أكد الأمر بها و الإخلاص فيها عملا لا قولا، فإنها الدرع الواقية من غضب اللّه يوم الحساب و الجزاء.
٥٥- وَ اِتَّبِعُوا أَحْسَنَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ اَلْعَذََابُ بَغْتَةً ما زال الكلام مع المذنبين و عنهم و كل الآيات التي نزلت في حقهم نهي و ذم و تهديد، و أحسنها بالنسبة إليهم آيات التوبة و البشارة بقبولها و إلا فلا شيء مما أنزل اللّه أحسن من شيء بالنسبة إليه تعالى.
٥٦- أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يََا حَسْرَتىََ... من أهمل التوبة في دنياه يشعر غدا بالخسران، و تذهب نفسه حسرات على ما فات.
٥٧- أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اَللََّهَ هَدََانِي لَكُنْتُ مِنَ اَلْمُتَّقِينَ و هكذا المهمل الفاشل يلقي التبعة على اللّه أو الحظ أو الزمن أو على الناس و المجتمع.
٥٨- أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى اَلْعَذََابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً رجعة إلى الدنيا لاتقيت و أحسنت. هيهات أن يرجع ما قد فات.
٥٩- بَلىََ قَدْ جََاءَتْكَ آيََاتِي... كيف تقول: لو أن اللّه هداني!لقد دعاك سبحانه إلى الهداية، فأبيت عن إرادتها بإرادتك، و عليه فأنت المسيء إلى نفسك بنفسك.
٦٠- وَ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ تَرَى اَلَّذِينَ كَذَبُوا من أشرك باللّه أو حلل و حرم من غير علم أو تولى منصبا عاما بلا أهلية و كفاءة أو ادعى العلم بدين اللّه من غير حق-فقد كذب على اللّه بلا شك، و جهنم مقامه و مثواه.
٦١-٦٢- وَ يُنَجِّي اَللََّهُ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا بِمَفََازَتِهِمْ قالإعراب:
جَمِيعاً حال من الذنوب. و بَغْتَةً مصدر في موضع الحال من العذاب أي باغتا. و المصدر من أن تقول نفس مفعول من أجله لاتبعوا. يََا حَسْرَتىََ الأصل يا حسرتي ثم قلبت الياء ألفا، و ان كنت «ان» مخففة من الثقيلة و اسمها محذوف أي و اني كنت و اللام في «من» هي الفارقة بين ان النافية و المخففة. فأكون مضارع منصوب بأن مضمرة في جواب لو التي تفيد التمني. و بلى واقعة في جواب لو ان اللّه هداني لأن لو تتضمن معنى النفي. ترى هنا بصرية لا قلبية و لها مفعول واحد و هو الذين كذبوا. و وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ مبتدأ و خبر و الجملة حال من الذين كذبوا.