التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٣٠٦ - سورة يوسف
٢٤- وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهََا لَوْ لاََ أَنْ رَأىََ بُرْهََانَ رَبِّهِ و المراد هنا ببرهان اللّه تعالى نهيه عن الفاحشة، و عليه يكون المعنى ما هم بها إطلاقا تماما كقولك: لو لا فلان هلكت، و خير تفسير لهذه الآية قول الإمام علي (ع) :
«قد يرى الحول القلب-البصير بتحويل الأمور الخبير بتقلبها- وجه الحيلة و دونه مانع من أمر اللّه و نهيه فيدعها رأي العين بعد القدرة عليها» كَذََلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ اَلسُّوءَ وَ اَلْفَحْشََاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبََادِنَا اَلْمُخْلَصِينَ السوء: كيد امرأة العزيز، و الفحشاء الزنا، و قد صمم يوسف منذ البداية أن يحجم عما نهى اللّه عنه مهما تكن النتائج، فكان اللّه معه، و أعانه على ما أراد بعد أن علم منه الصدق و الإخلاص.
٢٥- وَ اِسْتَبَقَا اَلْبََابَ أسرع يوسف إلى الباب هربا منها، فعدت وراءه لترده إليها وَ قَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ جذبته من قميصه و هو مدبر فقدته وَ أَلْفَيََا سَيِّدَهََا لَدَى اَلْبََابِ و في تلك اللحظة بالذات مر العزيز زوج المرأة فرأى موقفا مريبا و عجيبا: قميصا ممزقا و امرأة بحال غير طبيعية.
و قبل السؤال قََالَتْ لزوجها مََا جَزََاءُ مَنْ أَرََادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً أ رأيت إلى هذا الزور و البهتان؟هو الذي أراد السوء و الفاحشة، و ألح و استمات من أجلها!...
أما هي فأبت و رفضت و دافعت عن طهرها و قدسها دفاع المستميت حتى مزقت ثيابه، و شكرت اللّه سبحانه الذي أرسل زوجها في هذه الساعة لينقذها من يوسف!... و هكذا كل من لا يرى و يفكر إلا في قضاء شهوته سواء كانت شهوة الجنس أم المال أم المنصب أم أي شيء، و خالق الإنسان أعلم حيث يقول: «Bقُتِلَ اَلْإِنْسََانُ مََا أَكْفَرَهُ -١٧ عبس و في الحديث الشريف: لا يزني الزاني حين يزنى و هو مؤمن، و لا يسرق السارق حين يسرق و هو مؤمن، فإنه إذا فعل ذلك خلع عنه الإيمان كخلع القميص» و كذلك سائر الشهوات المماثلة، لأن الحكم يدور مع علته وجودا و عدما. و جاء في الأثر: لا يعذب اللّه من ترك شهوته لوجه اللّه.
٢٦- قََالَ يوسف هِيَ رََاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي قال هذا حيث لم يجد بدا عن رد الاتهام الكاذب، و بخاصة بعد قولها: «إِلاََّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذََابٌ أَلِيمٌ» فانتصر لنفسه بالحق، و تبرأ صادقا مما رمته به وَ شَهِدَ شََاهِدٌ مِنْ أَهْلِهََا من أسرتها أو من هو حجة عليها، فقال: إِنْ كََانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ اَلْكََاذِبِينَ .
٢٧- وَ إِنْ كََانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَ هُوَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ فنظر العزيز إلى قميص يوسف.
٢٨- فَلَمََّا رَأىََ قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ أيقن ببراءته، و التفت إلى امرأته و قََالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ و يمكن الاستدلال بهذه الآية على جواز الحكم بكل وسيلة و قرينة قطعية، و إن لم يرد فيها نص بالخصوص، إضافة إلى العمومات، و منها قوله تعالى: «Bوَ إِذََا حَكَمْتُمْ بَيْنَ اَلنََّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ -٥٨ النساء» أي بما تعلمون أنه حق و عدل سواء أحصل لكم هذا العلم من النصوص أم من غيرها.