التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٣٦٠ - سورة النّحل
للّه سبحانه أحكام أبدية، تبقى ما بقي الدهر، لا يسوغ فيها النسخ و التغيير و لا التقليم و التطعيم و لا الخلاف و الاجتهاد كالإيمان باللّه و رسوله و اليوم الآخر، و الصوم و الصلاة و الحج و الخمس و الزكاة، و أيضا له سبحانه أحكام أمدية لا أبدية، تستدعي الحكمة أن يشرعها لأمد معين، و أيضا تستدعي الحكمة أن لا يصرح سبحانه بهذا الأمد عند إنشاء الحكم حتى إذا انتهى الأمد ارتفع الحكم، و شرع حكما آخر مكانه، أيضا على وفق الحكمة و المصلحة، و يسمى هذا نسخا، و تقدم الكلام عنه في الآية ١٠٦ من البقرة قََالُوا إِنَّمََا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاََ يَعْلَمُونَ كان المشركون إذا رأوا نسخ حكم بآخر يقولون هذا افتراء على اللّه، و لو كان من عنده ما تبدل و تغير، بل هم الجاهلون المفترون.
١٠٢- قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ اَلْقُدُسِ و هو جبريل، و لقّب بذلك لأنه نزل بقدس الأقداس-أي القرآن- على محمد (ص) مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ بالصدق و العدل و الهدى و الرحمة.
لِيُثَبِّتَ اَلَّذِينَ آمَنُوا من الإيمان ما هو زعم و وهم، يذهب مع الريح لأدنى عارض و طارئ و منه ما هو أرسى من الجبال الراسيات، و هو القائم على الفهم عن اللّه و رسوله كتابا و سنة وَ هُدىً للتي هي أقوم وَ بُشْرىََ لِلْمُسْلِمِينَ بأن لهم من اللّه أجرا كبيرا.
١٠٣- وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمََا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ قال الذين تنكروا لكل خير و حق و صدق: هذا القرآن تعلمه محمد من فلان الفلاني، فرد سبحانه عليهم بقوله:
لِسََانُ اَلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ... المراد باللسان هنا اللغة و الكلام، و بالإلحاد النسبة و الإسناد، و المعنى: هذا القرآن عربي مبين، و الذين تسندون القرآن إليه يجهل اللغة العربية!فمن أين جاءته هذه المعجزة؟و على قولكم هذا ينبغي أن يكون الأعجمي الذي تزعمون هو النبي. فلما ذا لا تتخذوه نبيا؟.
١٠٤- إِنَّ اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِآيََاتِ اَللََّهِ أي بالقرآن و نبوة محمد (ص) بعد الحجة الدامغة و البرهان القاطع، أولئك لاََ يَهْدِيهِمُ اَللََّهُ أي لا يثبتهم بدليل قوله تعالى: وَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ .
١٠٥- إِنَّمََا يَفْتَرِي اَلْكَذِبَ اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِآيََاتِ اَللََّهِ إن الكذب و الافتراء بكم أليق و ألصق أيها الجاحدون المعاندون، لأنكم لا تؤمنون بحق، و لا تنطقون بصدق. و لا تحفلون بخير، أما محمد فهو أفضل و أكمل ما في البشرية من فضائل و أخلاق ١٠٦- مَنْ كَفَرَ بِاللََّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمََانِهِ فعليهم غضب من اللّه و لهم عذاب عظيم، و الدليل على هاتين الجملتين المحذوفين قوله تعالى في آخر الآية: مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ و عليه يكون «مَنْ كَفَرَ» مبتدأ و خبره محذوف تقديره فعليهم غضب من اللّه إِلاََّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمََانِ قال المفسرون من السنة و الشيعة: إن المشركين عذبوا عمار بن ياسر حتى يعطيهم من لسانه كلمة كافرة، فتفوه بها مكرها. فقال بعضهم: يا رسول اللّه إن عمارا كفر: فقال الرسول (ص) : كلا، إن عمارا مليء إيمانا من قرنه إلى قدمه، و اختلط الإيمان بلحمه و دمه، و جاء عمار إلى النبي (ص) باكيا، فمسح عينيه و قال: مالك؟إن عادوا فعد فنزلت «إِلاََّ مَنْ أُكْرِهَ... » و قال ابن كثير الشافعي الدمشقي في تفسير هذه الآية اتفق العلماء على أن المكره يسوغ له النطق بكلمة الكفر إبقاء على