التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٢٢٧ - سورة الأنفال
إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ إِذََا ذُكِرَ اَللََّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ إذا هموا بالمعصية و عزموا عليها، و أنذرهم نذير بغضب اللّه و عذابه-أحجموا و اتقوا و إلا فمجرد خشوع القلب بلا أثر فليس من الإيمان و التقوى في شيء (٢) -: وَ إِذََا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيََاتُهُ زََادَتْهُمْ إِيمََاناً بأنهم على بصيرة من دينهم، و أنهم يصبرون على الجهاد في سبيله مهما تكن النتائج. (٣) :
وَ عَلىََ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ينهضون إلى العمل، و يبذلون غاية الجهد، و في الوقت نفسه يفوضون أمر النجاح لتوفيق اللّه و عنايته (٤) -:
٣- اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ أبدا لا يقبل سبحانه الإيمان بلا صلاة، و لا مبرر عنده لتركها على الإطلاق، فهي الحد الفاصل بين الكفر و الإيمان، أجل من نطق بالشهادتين يعامل في الدنيا معاملة المسلم، و إن ترك الصلاة متهاونا لا جاحدا، و هو في الآخرة من الخاسرين (٥) -: وَ مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ يُنْفِقُونَ و حكم الزكاة و الصلاة واحد بنص القرآن.
٤- أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا و بهذا يتبين لنا أنه لا إيمان بلا عمل، و أن الأقوال بلا أعمال ليس من الإيمان الحق في شيء «Bكَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اَللََّهِ أَنْ تَقُولُوا مََا لاََ تَفْعَلُونَ -٣ الصف» لَهُمْ دَرَجََاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ تبعا لما يقدمون به من خدمات لأخيهم الإنسان، و ما أكثر أحاديث هذا الباب:
«خير الناس أنفعهم للناس... أفضل الجهاد أن لا تهم بظلم...
أفضل العبادة كف الأذى... الدين النصيحة و المعاملة» حتى الملحد إذا ثار على الظلم، و عمل لسعادة المنكوبين و البائسين، فإنه يلتقي مع الإسلام أراد ذلك أو لم يرد.
٥- كَمََا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ... المراد بهذا البيت المدينة المنورة، و بالحق: الصواب الذي لا محيد عنه، و يشير سبحانه بهذا إلى غزوة بدر، و خلاصتها:
إن المهاجرين تركوا أموالهم في مكة، و ذهبوا مع النبي (ص) إلى المدينة، فاغتصبها أبو سفيان و غيره من جبابرة الشرك، و حملها أبو سفيان إلى الشام للتجارة، و عاد إلى مكة بالعير مثقلة بكل نفيس و ثمين، فحث النبي (ص) الصحابة أن يقطعوا الطريق، و يستولوا على العير، فخرج ٣١٣ رجلا، و لما علمت قريش بذلك خرجت بقيادة أبي جهل للذب عن العير، و لكن أبا سفيان سلك طريقا آخر و نجت العير، و أشير على أبي جهل بالرجوع فأبى. و كان قد وعد سبحانه نبيه الأكرم بإحدى الطائفتين: عير أبي سفيان أو نفير أبي جهل، فاستشار الصحابة أ يمضون لقتال النفير أو يعودون إلى المدينة؟ فقال بعضهم: ما لنا و للقتال؟إنما خرجنا للعير لا للنفير. فقال النبي (ص) : مضت العير على ساحل البحر. فقال سعد بن عبادة امض لما شئت، فإنا متبعوك. و قال سعد بن معاذ لو خضت هذا البحر لخضناه معك. و قال المقداد: لو أمرتنا أن نخوض جمر الغضا لفعلنا... و لا نقول لك ما قال بنو إسرائيل: اذهب أنت و ربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون و لكنا نقول: امض لما أمرك ربك، فإنا معك مقاتلون. ففرح رسول اللّه (ص) و قال: سيروا على بركة اللّه.
٦- يُجََادِلُونَكَ فِي اَلْحَقِّ و هو قتال النفير بقيادة أبي جهل بَعْدَ مََا تَبَيَّنَ بعد ما أخبرهم النبي (ص) بالنصر كَأَنَّمََا يُسََاقُونَ إِلَى اَلْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ أسبابه عيانا، و هل ينجو من الموت من خافه، و يعطي البقاء