التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٢٠١ - سورة الأعراف
يَقُولُ اَلَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جََاءَتْ رُسُلُ رَبِّنََا بِالْحَقِّ أبدا لا جدوى من هذا الاعتراف، فذوقوا ما كنتم به تكذبون فَهَلْ لَنََا مِنْ شُفَعََاءَ فَيَشْفَعُوا لَنََا عند اللّه في غفران خطايانا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ اَلَّذِي كُنََّا نَعْمَلُ و لو استجاب سبحانه لدعوتهم هذه لبطلت المقاييس، و استوى مصير الطيب و الخبيث و المحسن و المسيء قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بهلاك دينهم و ضميرهم.
٥٤- إِنَّ رَبَّكُمُ اَللََّهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيََّامٍ هذه الأيام كناية عن الدفعات أو الأطوار حيث لا زمان و لا أيام قبل الكون، هذا إلى أن إنشاء شيء على الترتيب أدل على أن الفاعل عليم حكيم، و على أية حال فإن القرآن الكريم ينطق بصراحة في أكثر من آية-أن وجود الكون لم يتم دفعة-و هذا ما يتفق تماما مع ما يذهب إليه العلم الحديث. و يستحيل أن يعلم ذلك محمد (ص) لو لم يكن نبيا يتلقى الوحي من خالق الكون.
ثُمَّ اِسْتَوىََ عَلَى اَلْعَرْشِ ليس اللّه تعالى جسما كي يجلس على العرش المحسوس و الا افتقر إلى حيز و هو الغني عن جميع ما خلق، و عليه يجب تأويل الظاهر بما يجيزه العقل و قوانين اللغة إن أمكن و إلا وجب التفويض إلى علم اللّه، و التأويل هنا ممكن لغة و عقلا، و هو عند أكثر العلماء أن معنى استوى: استولى و معنى العرش: الملك و التدبير «Bلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ -١١ الشورى» يُغْشِي اَللَّيْلَ اَلنَّهََارَ كل منهما يأتي عقب الآخر يَطْلُبُهُ حَثِيثاً سريعا بحيث يأتي في أثره بلا فاصل، بل يلج كل في صاحبه كما قال سبحانه: «يولج الليل في النهار و يولج النهار في الليل» وَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ وَ اَلنُّجُومَ مُسَخَّرََاتٍ بِأَمْرِهِ بل و الأرض و كل شيء من أشياء الكون من صغيره إلى كبيره و النواميس الثابتة الراسخة في الكون التي أودعها سبحانه فيه بعلمه، و قدرها تقديرا بحكمته. أَلاََ لَهُ اَلْخَلْقُ لأنه منه لا من غيره، و الشاهد فيه عليه، و له وَ اَلْأَمْرُ كله، يحكم ما يشاء، و يفعل ما يريد، و لا معقب لحكمه.
٥٥- اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً و معنى الدعاء: العبادة بإخلاص، و التضرع: التواضع و عدم العجب و الخفية: البعد عن التباهي و الرياء إِنَّهُ لاََ يُحِبُّ اَلْمُعْتَدِينَ الذين يتجاوزون حدود أمره و نهيه.
٥٦- وَ لاََ تُفْسِدُوا فِي اَلْأَرْضِ كفوا الأذى عن عيال اللّه، و لا يظلم بعضكم بعضا، و لا تعكروا صفو الحياة بالطمع و الجشع، و تعاونوا على الخير و الصالح العام بَعْدَ إِصْلاََحِهََا حيث سير سبحانه كل شيء في الأرض على ما يرام كي يتمتع الإنسان بخيراتها و بركاتها طيلة حياته وَ اُدْعُوهُ خَوْفاً وَ طَمَعاً لا خوف مطلق و لا رجاء مطلق بل بين بين، قال الإمام الصادق (ع) : في قلب المؤمن نوران نور خوف، و نور رجاء، لو وزن هذا لم يزد على هذا إِنَّ رَحْمَتَ اَللََّهِ قَرِيبٌ مِنَ اَلْمُحْسِنِينَ الذين يتهمون أنفسهم، و يتوقعون منها الخطأ، و لا يصرون على أن ما ينطقون به هو الوحي المنزل.
٥٧- وَ هُوَ اَلَّذِي يُرْسِلُ اَلرِّيََاحَ... الرياح تهب و الشمس تبخر ماء البحار، و ترتفع الرياح بهذا البخار