التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٢٣٠ - سورة الأنفال
٢٣٠
لاََ يَعْقِلُونَ الغرض من السمع الفهم و العمل بما يسمع الإنسان من نصح و رشاد، و من النطق الإقرار بالحق، فإن لم يكن هذا و لا ذاك فلا سمع و نطق، بل و لا عقل.
٢٣- وَ لَوْ عَلِمَ اَللََّهُ فِيهِمْ أي في الصم البكم الذين ذكرهم قبل لحظة خَيْراً أي ينشدون الخير لوجه الخير لَأَسْمَعَهُمْ بتمهيد السبيل إلى فعل الخير، و لكنهم لا يرون أي شيء، و لا يؤمنون بشيء إلا بمنافعهم الذاتية الشخصية، فهي وحدها الخير كل الخير، و ما عداها كلام فارغ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ حتى و لو قدم لهم الخير و الحق على طبق من بلور لحطموه إلا أن يتفق مع أهوائهم و أغراضهم، و أكثر الناس ينقادون من بطونهم لا من عقولهم بشهادة القرآن الكريم: «Bبَلْ جََاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَ أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كََارِهُونَ -٧٠ المؤمنون» .
٢٤- يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلََّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذََا دَعََاكُمْ لِمََا يُحْيِيكُمْ لقد حددت هذه الآية الإسلام بالدعوة إلى العمل من أجل حياة أكمل، أي الدعوة إلى العلم النافع، إلى الحقل و المصنع الذي ينتج الغذاء و الدواء و الكساء، و إلى المدرسة و الميتم و المستشفى، و إلى المساواة و العدالة الاجتماعية، و إلى الأخوة و التعاون في هذا الميدان، و إلى التحرر من كل قيد يقف في سبيل هذه الحياة... هذا هو الجوهر و الأساس لمنهج الإسلام و فلسفته في عقيدته و شريعته و آدابه و أخلاقه و جميع أحكامه. و أخيرا فكل من يعمل لخير الحياة فإنه يلتقي مع دين الإسلام على صعيد واحد كائنا من كان و يكون وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ يَحُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ يملك عليه قلبه، فيغير نياته، و يفسخ عزائمه، و يبد له بالذكر نسيانا، و بالنسيان ذكرا، و بالخوف أمنا، و بالأمن خوفا، و قدمنا مرات و نكرر أنه لا مسببات بلا أسباب و لا نتائج بلا مقدمات طبيعية و عقلية، و أن كل الأسباب و المقدمات تنتهي إليه تعالى، و من هنا صحت النسبة.
٢٥- وَ اِتَّقُوا فِتْنَةً لاََ تُصِيبَنَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً إذا وقعت الواقعة أخذت مجراها، و أثرت أثرها طبيعية كانت أو اجتماعية، و لا تدخل في حسابها الأتقياء و الأبرياء، فأضرار الحرب-مثلا-لا تبالي بأنصار السلام و الأرامل و الأيتام. و أيضا إذا هبت الريح جنوبا، و أبحر الولي التقي باتجاه الشمال، فإن اللّه سبحانه لا يأمر الريح بالهبوب شمالا إكراما لوليه و صفيه.
٢٦- وَ اُذْكُرُوا يا معشر الصحابة إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ... كان العرب قبل محمد (ص) أمة أمية، و به أصبحوا ما هو معلوم لدى الجميع حتى صار الكلام عنه تماما كالحديث عن فائدة العلم و الماء و النور و الهواء.
٢٧- يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أي يا أيها المنتمون إلى الإسلام لاََ تَخُونُوا اَللََّهَ وَ اَلرَّسُولَ بالخلافات و المشاحنات، و الانقياد للأدعياء الطغاة وَ تَخُونُوا أَمََانََاتِكُمْ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي تخونوا مصلحتكم بالصبر و السكوت