التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٣٥٨ - سورة النّحل
٨٩- وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ تقدم في الآية ٨٤ من هذه السورة، و أعاد الآن تهديدا للذين كذبوا محمدا وَ جِئْنََا بِكَ شَهِيداً عَلىََ هََؤُلاََءِ الخطاب لمحمد (ص) و هؤلاء إشارة إلى من حرف و زيف من أمته وَ نَزَّلْنََا عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ تِبْيََاناً لِكُلِّ شَيْءٍ في الجزء الأول من أصول الكافي أن الإمام الصادق (ع) قال: «ما خلق اللّه حلالا و لا حراما إلا و له حد... حتى أرش الخدش» و أن الإمام الباقر (ع) قال لأصحابه: «إذا حدثتكم بشيء فاسألوني أين هو من كتاب اللّه، ثم قال في بعض حديثه: نهى رسول اللّه (ص) عن القيل و القال، و فساد المال، و كثرة السؤال. فقيل له:
أين هذا من كتاب اللّه؟فقال: إن اللّه عز و جل قال: «Bلاََ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوََاهُمْ إِلاََّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاََحٍ بَيْنَ اَلنََّاسِ -١١٤ النساء... و قال: وَ لاََ تُؤْتُوا اَلسُّفَهََاءَ أَمْوََالَكُمُ اَلَّتِي جَعَلَ اَللََّهُ لَكُمْ قِيََاماً -٥ النساء. و قال لاََ تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيََاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ -١٠١ المائدة» .
و الآية الأولى نهت عن القيل و القال، و الثانية عن فساد المال، و الثالثة عن كثرة السؤال.
٩٠- إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسََانِ وَ إِيتََاءِ ذِي اَلْقُرْبىََ أمر سبحانه في هذه الآية بثلاث خصال حميدة: العدل و هو الإنصاف، و الإحسان و هو التفضل لوجه البر و الإحسان. و سئل الإمام علي «أيهما أفضل: العدل أو الجود؟فقال: العدل يضع الأمور مواضعها، و الجود يخرجها من جهتها-أي يتجاوز بالأشياء إلى جهة الإحسان-العدل سائس عام (أي نظام عام لا تستقيم الحياة بدونه) و الجود عارض خاص، فالعدل أشرفهما و أفضلهما» ، و الخصلة الثالثة إيتاء ذي القربى، و هو من مظاهر الإحسان، و لكنه أعلاها، و لذا خصه سبحانه بالذكر وَ يَنْهىََ عَنِ اَلْفَحْشََاءِ وَ اَلْمُنْكَرِ وَ اَلْبَغْيِ و نهى سبحانه عن ثلاث خصال قبيحة: الفحشاء، و أفحش الفحش الزنا لأنه في الآخرة بين يدي عذاب شديد، و في الدنيا عار على الزاني و الزانية و على أولادها و أمها و أبيها، و المنكر: كل ما ينكره العقل و الشرع، و البغي: العدوان على حق من حقوق الناس، و هو أكبر الكبائر، و تصدق عليه كلمة الفحشاء و المنكر و الإثم. و أيضا الكفر، قال سبحانه: «Bفَأَبَى اَلظََّالِمُونَ إِلاََّ كُفُوراً ٩٩ الإسراء» و تجمع هذه الآية أمهات الفضائل قال عثمان بن مظعون: أسلمت استحياء من رسول اللّه، و ما قر الإسلام في قلبي حتى نزلت هذه الآية: «Bإِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ... » ٩١- وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اَللََّهِ إِذََا عََاهَدْتُمْ و كل من آمن باللّه فقد أعطاه عهدا أن يأتمر بأمره، و ينتهي بنهيه، و من يعص اللّه في شيء فهو من الناكثين النابذين لعهد اللّه تعالى وَ لاََ تَنْقُضُوا اَلْأَيْمََانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهََا الإيمان جمع يمين، و توكيدها: عقدها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اَللََّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً رقيبا و متكفلا بالوفاء ٩٢- وَ لاََ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهََا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكََاثاً شبه سبحانه ناقض العهد و الأيمان بالحمقاء التي تنقض الغزل بعد إبرامه تَتَّخِذُونَ أي أ تتخذون أَيْمََانَكُمْ دَخَلاً غدرا و مكرا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبىََ أكبر قوى مِنْ أُمَّةٍ كانت القبيلة في الجاهلية تحالف أخرى، فإذا جاءتها قبيلة أقوى منها غدرت بها، و جالفت الثانية، فنهى سبحانه عن هذا و أنكره إِنَّمََا يَبْلُوكُمُ اَللََّهُ بِهِ ضمير به