التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٢٨٠ - سورة يونس عليه السّلام
نزلت هذه الآية في زمن لم يكن الناس يعرفون شيئا عما تحتويه قبور الفراعنة ثم كشف الحفر و التنقيب فيها عن هذه الأموال و الزينة التي نص عليها القرآن، و هذا شاهد محسوس لا يقبل الشك و الريب في أن القرآن وحي من علام الغيوب رَبَّنََا لِيُضِلُّوا اللام للعاقبة مثل لدوا للموت عَنْ سَبِيلِكَ أي كان عاقبة الانعام عليهم من اللّه بالزينة و المال، و إن ضلوا و عصوه بدلا من أن يطيعوه رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلىََ أَمْوََالِهِمْ بمحقها و تدميرها وَ اُشْدُدْ عَلىََ قُلُوبِهِمْ من الشدة و البلاء ضد الراحة و الرخاء فَلاََ يُؤْمِنُوا حَتََّى يَرَوُا اَلْعَذََابَ اَلْأَلِيمَ هذه الجملة معطوفة على ليضلوا عن سبيلك، و المعنى: أن عاقبة تقلب فرعون و ملائه في نعم اللّه أن ضلوا و أصروا على الكفر، و ان لا يؤمنوا إلا عند حدود العذاب حيث لا يقبل الإيمان.
٨٩- قََالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمََا انزال الآفات على أموال فرعون و ملائه و المصائب و الشدائد على قلوبهم فَاسْتَقِيمََا على الجهاد في سبيل الدعوة إلى الحق وَ لاََ تَتَّبِعََانِّ سَبِيلَ اَلَّذِينَ لاََ يَعْلَمُونَ عظمة اللّه و حكمته.
و جاز هنا نهي المعصوم عن الذنب لأنه من اللّه، لا من سواه، فإن من شأن الأعلى أن يأمر و ينهى ما دونه كائنة ما تكون منزلته.
٩٠- وَ جََاوَزْنََا بِبَنِي إِسْرََائِيلَ اَلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَ جُنُودُهُ بَغْياً وَ عَدْواً سبق نظيره في سورة البقرة الآية ٥٠ و سورة الأعراف الآية ١٣٨. حَتََّى إِذََا أَدْرَكَهُ اَلْغَرَقُ و بالأمس كان ينتفخ و يقول: أنا ربكم الأعلى قََالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاَّ اَلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرََائِيلَ وَ أَنَا مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ و هذا هو شأن الخسيس اللئيم يتعاظم عند النعماء، و يتصاغر عند البأساء.
٩١- آلْآنَ و بعد أن فات ما فات تقول: آمنت وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ حيث كان الخيار بيدك في التوبة و الرجوع إلى الحق، و لكنك طغيت و بغيت وَ كُنْتَ مِنَ اَلْمُفْسِدِينَ فذق جزاء عملك بالغرق و الهلاك.
٩٢- فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لا بروحك و نلقي بجثتك على نجوة من الأرض ليشاهدها من كان يعظم من شأنك لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً يتعظ بها كل من تحدثه نفسه بالسير على طريق الفساد و لكن ما أكثر العبر، و أقل الإعتبار وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ اَلنََّاسِ عَنْ آيََاتِنََا لَغََافِلُونَ و غير مغفول عنهم.
٩٣- وَ لَقَدْ بَوَّأْنََا بَنِي إِسْرََائِيلَ أنزلناهم مُبَوَّأَ صِدْقٍ أي منزل صدق، و المراد بالصدق هنا الخصب بدليل قوله تعالى: وَ رَزَقْنََاهُمْ مِنَ اَلطَّيِّبََاتِ و لكنهم كفروا بأنعم اللّه فَمَا اِخْتَلَفُوا حَتََّى جََاءَهُمُ اَلْعِلْمُ المراد بالعلم هنا توراة موسى التي تحتوي على الإخبار بنبوة محمد (ص) و كان اليهود قبل نزولها متفقين جميعا على دين الشيطان كفرا و ضلالا، و بعد التوراة اختلفوا فرقا و شيعا.