التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٢٦٠ - سورة التوبة
من يعمل الخير فهو مرضي عند اللّه و الرسول و الطيبين، و من يعمل الشر فهو مكروه عند الجميع، و في الأشعار: «لا يذهب العرف بين اللّه و الناس» وَ سَتُرَدُّونَ إِلىََ عََالِمِ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهََادَةِ... واضح، و تقدم قبل قليل في الآية ٩٤ من هذه السورة.
١٠٦- وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اَللََّهِ مؤجلون إِمََّا يُعَذِّبُهُمْ إن أصروا على الذنب وَ إِمََّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ إن تابوا.
١٠٧- وَ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرََاراً وَ كُفْراً وَ تَفْرِيقاً بَيْنَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصََاداً لِمَنْ حََارَبَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ عرضت الآيات السابقة الصراع بين قوى الشر و النفاق من جهة و قوى الخير و الإيمان من جهة ثانية، أما هذه الآية فإنها تعرض الأسلوب و نوع المؤامرات التي يدبرها و يحيكها المنافقون بدقة ضد المؤمنين المجاهدين، و أنهم يرفعون نفس الشعارات و نفس العلم الذي ترفعه قوى الحق و أنصار الحق لتغطية المقاصد العدوانية و الأهداف المضادة، و هي تفريق كلمة المسلمين و الإضرار بهم، و جعل المسجد مكانا للكفر و معقلا لحرب اللّه و رسوله، و يسمى هؤلاء في العصر الراهن بأنصار الثورة المضادة.
و خلاصة الحكاية التي أشارت إليها آية مسجد ضرار أن منافقي المدينة بنوا مسجدا تحت ستار الاجتماع للعبادة، أما القصد الخفي منه فهو الهدم و التخريب و تحطيم قوى الإسلام و المسلمين، فأخبر سبحانه نبيه بهذا القصد و العزم، فأمر صلّى اللّه عليه و آله بهدم المسجد، و أن يتخذ مكانا لإلقاء الجيف و القمامة، و في عالم اليوم العشرات من مساجد الضرر و الضرار، و لكن باسم معهد الدراسات أو نادي الثقافة و الرياضة أو الجمعية الدينية أو المكتبة العامة أو في شكل كتاب أو صحيفة أو محاضرة، و ما إلى ذلك مما يهدف إلى محق الدين و الوطن و القيم الإنسانية.
وَ لَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنََا إِلاَّ اَلْحُسْنىََ يسيء المنافق و يحلف، لأنه يشعر من الأعماق أنه مفتر كذاب، فيستتر بكثرة الإيمان، و من هنا قال سبحانه: «وَ لاََ تُطِعْ كُلَّ حَلاََّفٍ مَهِينٍ -١٠ القلم» .
١٠٨- لاََ تَقُمْ يا محمد فِيهِ أَبَداً في مسجد ضرار لا للصلاة و لا لغيرها لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى اَلتَّقْوىََ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ البناء القوي المتين مسجدا كان أو غير مسجد هو أن يوضع فيه الحجر الأول، حجر الأساس، على تقوى اللّه، و عليها تقوم دعائمه، و لا عفاء لهذا البناء مهما طال الأمد أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ و أحق هنا بمعنى حقيق و جدير، و ليست للتفضيل بين مسجد التقوى و مسجد ضرار، فقد روي أن النبي (ص) كان لا يمر بطريق هذا المسجد فِيهِ رِجََالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا إن مسجد التقوى يؤمه المتقون للعبادة و العمل الصالح لا للنفاق و التآمر ١٠٩- أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيََانَهُ عَلىََ تَقْوىََ مِنَ اَللََّهِ وَ رِضْوََانٍ إن الذي أقام عمله و بنيانه بالكامل على الخطة و الخريطة التي رسمها اللّه سبحانه لعباده و رضي عنها هو خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيََانَهُ عَلىََ شَفََا جُرُفٍ هََارٍ فَانْهََارَ بِهِ فِي نََارِ جَهَنَّمَ و الشفا:
حرف الشيء و طرفه، و الجرف: جانب الوادي، و هار