التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٧ - سورة البقرة
٢٦- إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مََا بَعُوضَةً فَمََا فَوْقَهََا «ما» زائدة للتوكيد، و بعوضة مفعول أول، و مثلا مفعول ثان. قال المشركون: اللّه لا يضرب الأمثال بالبعوضة الحقيرة، فردّ سبحانه بأنه لا يترك التمثيل بالبعوضة ترك المستحي ما دام القصد من التمثيل مجرد التفهيم و التقريب إلى العقول و الأذهان فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ أي أن أهل العلم و العقل لا يرون التمثيل بالبعوضة منافيا لجلال اللّه و عظمته وَ أَمَّا اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مََا ذََا أَرََادَ اَللََّهُ بِهََذََا مَثَلاً يقولون ذلك جهلا أو تضليلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً السبب المباشر للإضلال هو التمثيل بالبعوضة، و أسند إلى اللّه تعالى في الظاهر لأنه هو الذي ضرب المثل. أشبه بما لو عملت عملا جليلا فمات عدوّك حسدا، فأيّ ذنب فعلت؟ وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً من العقلاء الراغبين في الهداية وَ مََا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ اَلْفََاسِقِينَ أبدا لا سلطان للشيطان إلا على أوليائه.
٢٧- اَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ يفسخون عَهْدَ اَللََّهِ و هو إعمال العقل و العمل بوحيه كما قال سبحانه: أفلا تعقلون أفلا تتفكرون؟ مِنْ بَعْدِ مِيثََاقِهِ الميثاق الثبوت و الإحكام وَ يَقْطَعُونَ مََا أَمَرَ اَللََّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ كالبر بالرحم و نصرة الحق وَ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ بالجرائم و الآثام و التناحر على الحطام أُولََئِكَ هُمُ اَلْخََاسِرُونَ و كل مبطل خاسر.
٢٨- كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللََّهِ و في كل شيء له آية تدل على أنه واحد وَ كُنْتُمْ أَمْوََاتاً نطفا في أصلاب الآباء فَأَحْيََاكُمْ فأخرجكم منها ذكورا و إناثا ثُمَّ يُمِيتُكُمْ بعد الحياة ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بعد الموت ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ للحساب و الجزاء.
٢٩- هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مََا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً فيه دلالة على أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يثبت العكس ثُمَّ اِسْتَوىََ إِلَى اَلسَّمََاءِ قصد إليها بإرادته فَسَوََّاهُنَّ هذا الضمير يفسّره قوله سبحانه سَبْعَ سَمََاوََاتٍ و معنى سواهن عدّل خلقهنّ على ما تقتضيه الحكمة وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ و أيضا غفور رحيم.
٣٠- وَ إِذْ قََالَ رَبُّكَ لِلْمَلاََئِكَةِ إِنِّي جََاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً و هو آدم و ذريته قََالُوا أَ تَجْعَلُ فِيهََا مَنْ يُفْسِدُ فِيهََا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمََاءَ و عرف الملائكة ذلك منه تعالى بطريق أو بآخر وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ التسبيح تنزيه للّه تعالى. ، و بحمدك في موضع الحال أي نسبّح حامدين وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالاعراب:
يصح أن تكون مََا من قوله تعالى: مَثَلاً مََا زائدا جيء بها للتوكيد، و بَعُوضَةً مفعولا أولا، و مَثَلاً مفعولا ثانيا مقدما، و التقدير ان اللّه لا يترك جعل البعوضة مثلا، و قيل: يجوز أن يكون مَثَلاً حالا من بَعُوضَةً . و أيضا يجوز أن تكون مََا اسما مبهما بمعنى شيء من الأشياء، و عليه تكون مفعولا ليضرب، و بعوضة بدلا منها، و مفعولا ثانيا مقدما، و التقدير ان اللّه لا يترك جعل شيء من الأشياء مثلا، حتى و لو كان هذا الشيء بعوضة.