التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٣١٦ - سورة يوسف
٨٤- وَ تَوَلََّى عَنْهُمْ وَ قََالَ يََا أَسَفىََ عَلىََ يُوسُفَ تجدد حزنه على يوسف، و ترك الناس جانبا منصرفا إلى همه و حزنه وَ اِبْيَضَّتْ عَيْنََاهُ مِنَ اَلْحُزْنِ أصيبتا بالقرحة فَهُوَ كَظِيمٌ لا يظهر حزنه لأحد، بل يتجرعه و يتجلد على حساب جسمه و أعصابه.
٨٥- قََالُوا تَاللََّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ مالك لا تفارق ذكر يوسف في ليل و نهار حَتََّى تَكُونَ حَرَضاً مريضا أَوْ تَكُونَ مِنَ اَلْهََالِكِينَ مع الأموات، و أية جدوى من الحزن و البكاء؟فارفق بنفسك و بأهلك، و بالمناسبة نشير إلى أن اللّه سبحانه أدبنا نحن أمة محمد (ص) بآداب القرآن الكريم، و أمر أحدنا إذا أصيب بمصيبة أن يقول: «إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ `أُولََئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوََاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُهْتَدُونَ -١٥٧ البقرة» .
٨٦- قََالَ يعقوب: إِنَّمََا أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اَللََّهِ لا إلى الناس، و المراد بالبث هنا الهم الذي لا يقدر صاحبه على كتمانه، فيبثه و ينفثه بلسانه.
وَ أَعْلَمُ مِنَ اَللََّهِ مََا لاََ تَعْلَمُونَ أرجو من اللّه كل خير، و أعلم أن رؤيا يوسف صادقة، و لكن لا أعلم أين هو؟ و كيف حاله؟و لذا قال لبنيه:
٨٧- يََا بَنِيَّ اِذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا تعرفوا و استعلموا مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ وَ لاََ تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اَللََّهِ إِنَّهُ لاََ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اَللََّهِ أي من فرجه إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْكََافِرُونَ و الجاهلون، لأن المؤمن لا ييأس، و أيضا العاقل لا ييأس، بل يحاول و يناضل، و ليس تاريخ الإنسانية إلا جهادا و محاولة مستمرة، و الكسول الجبان هو الذي يقعد مع القواعد، و يلقي اللوم و المسئولية على الحظ أو على الذين من حوله، أما الشجاع الطموح فيسير إلى آخر الشوط مستعينا باللّه و جهاده و الصبر على كل شدة و محنة، و هذا هو سبيل الناجحين و الخالدين أوصى يعقوب بنيه أن يعودوا إلى مصر مرة ثالثة، فسمعوا و رجعوا إلى العزيز ٨٨- فَلَمََّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قََالُوا يََا أَيُّهَا اَلْعَزِيزُ مَسَّنََا وَ أَهْلَنَا اَلضُّرُّ وَ جِئْنََا بِبِضََاعَةٍ مُزْجََاةٍ رديئة بالأمس طغوا على يوسف و بغوا، و ألقوا به في غيابة الجب كأنه حصاة أو نواة، و اليوم يقفون بين يديه يتذلّلون و يخضعون متوسلين: فَأَوْفِ لَنَا اَلْكَيْلَ وَ تَصَدَّقْ عَلَيْنََا إِنَّ اَللََّهَ يَجْزِي اَلْمُتَصَدِّقِينَ فيا له من درس لمن يستصغر الضعفاء، و يتحرك بكبرياء؟و هذا كتاب اللّه و العيان و التاريخ من فرعون إلى نابليون، إلى هتلر، كل أولاء يقولون: ما من أحد تصور نفسه كبيرا أو عظيما إلا و أصبح بعد حين أحقر من حقير.
٨٩- قََالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مََا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جََاهِلُونَ . هل علمتم: عتاب يحمل في أحشائه النصح و الرحمة، و في الوقت نفسه ينفث فيه المصدور همه، و يشفي غيظه، و بهذا الموقف و أمثاله يثبت المرء قيمته كإنسان يستحق التبجيل و الاحترام.
٩٠- قََالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالوا هذا و انتظروا الجواب، فكانت هذه المفاجأة التي لا تخطر لهم على بال:
قََالَ أَنَا يُوسُفُ وَ هََذََا أَخِي قَدْ مَنَّ اَللََّهُ عَلَيْنََا بما ترون