التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ١٤٧ - سورة المائدة
٤٩- وَ أَنِ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ وَ لاََ تَتَّبِعْ أَهْوََاءَهُمْ... و يومئ هذا التكرار و التوكيد أن النبي (ص) غير مقصود بالخطاب، و إن وجه بظاهره إليه، لأنه ليس بحاجة إلى شيء من ذلك كما هو معلوم بالبديهة، و أيضا ليس المقصود المستضعفين حيث لا نقش بلا عرش، فتعين أن المقصود بالذات كل حاكم و كل قائد له قوة و سلطان فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ لأهل الحكم و السلطان ذنوب كثيرة، و الحكم بغير ما أنزل بعض ذنوبهم لا كلها، و إن ربك لهم لبالمرصاد.
٥٠- أَ فَحُكْمَ اَلْجََاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ و حكام الجاهلية خير و أفضل ألف مرة من حكام عصر الكهرباء و الذرة وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اَللََّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ يؤمنون باللّه، و فيه إيماء إلى أن من يحكم بغير الحق عامدا هو و الكافر عند اللّه بمنزلة سواء.
٥١- يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلنَّصََارىََ أَوْلِيََاءَ أصدقاء إذا نصبوا لكم العداء، و كانوا حربا عليكم، و دليلنا على هذا القيد سماحة الإسلام المنصوص عليها في الآية ٨ و ٩ من سورة الممتحنة، و القرآن ينطق بعضه ببعض، و قال الفيلسوف الشهير رسل في كتاب المجتمع البشري في الأخلاق و السياسة ص ١٩٣ طبعة سنة ١٩٦٠: «تسامح المسلمون الأول مع أهل الكتاب على نقيض المسيحيين» .
بَعْضُهُمْ أَوْلِيََاءُ بَعْضٍ اليهودي لا ينصر إلا يهوديا، و المسيحي لا ينصر إلا مسيحيا، أجل قد تجتمع قوتهم معا ضد المسلمين كما حدث في عهدنا سنة ١٩٧٥ م وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ أي يتولى اليهود و النصارى الذين، نصبوا العداء للمسلمين فهو عند اللّه بحكم أعداء الإسلام، يحاسب حسابهم و يعذب عذابهم.
٥٢- فَتَرَى اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ و هم الذين ينتمون إلى الإسلام في الظاهر يُسََارِعُونَ فِيهِمْ في معاونتهم يَقُولُونَ نَخْشىََ أَنْ تُصِيبَنََا دََائِرَةٌ بعض الذين يتسمون بسمة الإسلام يوالون أعداءه و أعداء المسلمين لا لشيء إلاّ حرصا على الدنيا و وجاهتها و حلاوتها حتى إذا دارت الدائرة على المسلمين كان اللعين في مكان مكين عند أعداء اللّه و الدين.
فَعَسَى اَللََّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ فينصر المحقين على المبطلين أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ يفتضح به كل انتهازي منافق فَيُصْبِحُوا المنافقون عَلىََ مََا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ من الغدر و النفاق نََادِمِينَ حيث لا تغني الندامة و الفخامة.
٥٣- وَ يَقُولُ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَ هََؤُلاََءِ اَلَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللََّهِ جَهْدَ أَيْمََانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حين يفتضح المنافقون و يظهرون على حقيقتهم، يقول بعض المؤمنين لبعض: أ هؤلاء هم بالذات الذين كانوا يحلفون بالأمس أغلظ الأيمان إنهم مناولنا و معنا؟و إلى هذا الحد بلغ بهم الغش و الرياء؟و كفى بذلك عارا و شنارا حَبِطَتْ أَعْمََالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خََاسِرِينَ و خسر هنالك المبطلون.