التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٢٥٥ - سورة التوبة
«يلمزون» للمنافقين، و حديث القرآن عنهم تماما كحديثه عن اليهود، بلغ الغاية و النهاية، و السر أن جرائم الفريقين لها أول بلا آخر فِي اَلصَّدَقََاتِ وَ اَلَّذِينَ لاََ يَجِدُونَ إِلاََّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ إذا تصدق المؤمن المقل بمبلغ طاقته، سخروا منه و قالوا: إنه يذكّر بنفسه سَخِرَ اَللََّهُ مِنْهُمْ أي يعذبهم عذاب الساخرين، فهو من باب تسمية العقوبة على الذنب باسم الذنب.
٨٠- اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاََ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ... جاء في صحيحي مسلم و البخاري أنه لما مات المنافق عبد اللّه بن أبي طلب ابنه أن يصلي عليه النبي فصلى، و لما قيل له في ذلك قال: إن اللّه خيرني فاخترت. النبي (ص) اختار، و اللّه أعلمه بأنه لا يغفر لا بن أبي، و كلمة سبعين في الآية كناية عن الكثرة، و قال طه حسين في كتاب مرآة الإسلام: «بعد أن أحصى اللّه من سوء أعمال المنافقين و فضح من ذات نفوسهم أظهر من غضبه شيئا عظيما فقال: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم...
٨١- فَرِحَ اَلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ ذهب النبي (ص) و المؤمنون إلى تبوك، و قعد المنافقون عن الغزو مع القواعد، فابتهجوا بمقعدهم هذا أي ابتهاج خِلاََفَ رَسُولِ اَللََّهِ أي بعده وَ كَرِهُوا... الجهاد بالنفس و المال، و كل من كره الجهاد في سبيل اللّه فهو منافق أو في حكمه وَ قََالُوا لاََ تَنْفِرُوا فِي اَلْحَرِّ و من فر من الحر فهو من السيف أفر قُلْ نََارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا أعدت للمنافقين و المجرمين.
٨٢- فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً في الدنيا الفانية وَ لْيَبْكُوا كَثِيراً في الآخرة الباقية.
٨٣- فَإِنْ رَجَعَكَ اَللََّهُ ردك إِلىََ طََائِفَةٍ مِنْهُمْ و إنما قال إلى طائفة منهم و لم يقل إليهم، لأن بعض الذين تخلفوا ندموا و تابوا إلى اللّه توبة نصوحا فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ أي إذا طلب منك يا محمد الذين تخلفوا عن غزوة تبوك بلا عذر فَقُلْ لهم: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَ لَنْ تُقََاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا هذه المقاطعة من أشد العقوبات وقعا على النفوس إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي في غزوة تبوك فَاقْعُدُوا مَعَ اَلْخََالِفِينَ النساء و الصبيان و العجزة. و بهذا ألزمهم سبحانه بما ألزموا به أنفسهم.
٨٤- وَ لاََ تُصَلِّ عَلىََ أَحَدٍ مِنْهُمْ مََاتَ أَبَداً وَ لاََ تَقُمْ عَلىََ قَبْرِهِ قالإعراب:
اَلَّذِينَ يَلْمِزُونَ مبتدأ و خبره سخر اللّه منهم، و في الصدقات متعلق بيلمزون. و سبعين قائم مقام المفعول المطلق، لأن المعنى سبعين استغفارا. خِلاََفَ رَسُولِ اَللََّهِ ان كان بمعنى بعد فهو ظرف منصوب و العامل فيه مقعدهم، و ان كان مصدرا بمعنى المخالفة فهو مفعول لأجله لفرح و حَرًّا تمييز. و اللام في ليضحكوا لام الأمر و عملها الجزم. و مثلها اللام في ليبكوا. و قَلِيلاً صفة لمفعول مطلق محذوف أي ضحكا قليلا. و مثله كثيرا أي بكاء كثيرا. و جزاء مفعول لأجله ليبكوا. و أبدا منصوب على الظرفية، و معناه الاستقبال. و أول مرة قائم مقام الظرف، أي في أول مرة.