التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٣٥٤ - سورة النّحل
٦٦- وَ إِنَّ لَكُمْ فِي اَلْأَنْعََامِ الإبل و البقر و الغنم لَعِبْرَةً دلالة على قدرة الخالق و حكمته نُسْقِيكُمْ مِمََّا من هنا للتبعيض أي من بعض الأنعام و هو الإناث لأن الذكور لا لبن فيها فِي بُطُونِهِ يعود الضمير إلى بعض الأنعام مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ لَبَناً خََالِصاً سََائِغاً لِلشََّارِبِينَ و الفرث ما يبقى في الكرش بعد الهضم، و يقول العارفون: إذا هضمت معدة الحيوان الغذاء طردت الفضلات الضارة إلى الخارج، و تمتص العصارة النافعة، فتتحول إلى دم يسري في العروق و الغدد التي في ضرع الأنثى، و يصبح لبنا خالصا من رائحة الفرث و الدم و لونهما و طعمهما.
٦٧- وَ مِنْ ثَمَرََاتِ اَلنَّخِيلِ وَ اَلْأَعْنََابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَ رِزْقاً حَسَناً الظاهر من كلمة السكر الشراب المسكر خمرا كان أو غيره، و لا تومئ هذه الآية من قريب أو بعيد إلى تحليل المسكر أو تحريمه، و إنما حكت عن عادة الناس و انهم يتخذون من ثمرات النخيل و الأعناب شرابا مسكرا، أما الرزق الحسن فالمراد به التمر و الرطب و الزبيب و العنب و ما إلى ذلك، و تحدثنا عن حكم الخمر في القرآن و الإسلام عند تفسير الآية ٢١٩ من سورة البقرة، و في الجزء الرابع من كتاب فقه الإمام جعفر الصادق (ع) باب الأطعمة و الأشربة.
٦٨- وَ أَوْحىََ رَبُّكَ إِلَى اَلنَّحْلِ المراد بالوحي هنا الغريزة، لأن الحيوان لا يفكر و يخطط بعقل بل بغريزة تقوده آليا و تلقائيا إلى ما يضطر إليه في حياته و بقائه تماما كالكون تسيّره و تتحكم به النواميس الطبيعية التي أودعها اللّه فيه أَنِ اِتَّخِذِي مِنَ اَلْجِبََالِ بُيُوتاً وَ مِنَ اَلشَّجَرِ وَ مِمََّا يَعْرِشُونَ قال الرازي: «النحل نوعان: نوع يسكن في الجبال و الغياض-أي مجتمع الشجر-و لا يتعهده أحد، و هو المراد بقوله تعالى: أن اتخذي من الجبال بيوتا و من الشجر، و نوع يسكن بيوت الناس، و يكون في تعهدهم و هو المراد بقوله:
«وَ مِمََّا يَعْرِشُونَ» ٦٩- ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ اَلثَّمَرََاتِ الطيبة اليانعة فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً سيري أنى تشائين، فكل الطرق سالكة أمامك و مذللة يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهََا شَرََابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوََانُهُ بياضا و حمرة و صفرة تبعا للمرعى فِيهِ شِفََاءٌ لِلنََّاسِ من بعض الأمراض كفقر الدم و سوء الهضم و التهاب الفم و غير ذلك.
٧٠- وَ اَللََّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفََّاكُمْ كل فرد من أفراد الإنسان كان في طي العدم و الكتمان، ثم أنشأه اللّه حيا يقاسي عذاب النزع و الاحتضار منذ ولادته إلى ساعة أجله، فيعود إلى عالم العدم من هذه الدنيا كأن لم يكن شيء وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلىََ أَرْذَلِ اَلْعُمُرِ لِكَيْ لاََ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ضعيف في الجسم، و قلة في العلم، و خرف في العقل، و سوء في الحفظ، و فوق ذلك علل و أسقام أشكال و ألوان حتى كره وجوده و ضاق به أهله، و مل ممرضه.
٧١- وَ اَللََّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلىََ بَعْضٍ فِي اَلرِّزْقِ هذا مجرد تعبير و حكاية عما هو الواقع بالفعل تماما كما لو قال: بعض الناس أغنياء و بعضهم فقراء، و أسند الرزق إلى مشيئته تعالى لأنه جرى على الأسباب التي تنتهي إليه «Bوَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً -٢ الفرقان» أي بنظام و حكمة، و في الآية ٢٠ من الشورى ربط سبحانه رزق الدنيا و الآخرة بإرادة الإنسان: «مَنْ كََانَ يُرِيدُ حَرْثَ اَلْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَ مَنْ كََانَ يُرِيدُ حَرْثَ اَلدُّنْيََا نُؤْتِهِ مِنْهََا» .