الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٦٨ - الجمع بين الصلاتين
قال النووي في شرح صحيح مسلم:- بعد ذكر أخبار الجمع- و أما حديث ابن عباس فلم يجمعوا على ترك العمل به بل لهم أقوال: منهم من تأوله على أنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) جمع بعذر المطر، و هذا مشهور عن كبار المتقدمين و هو ضعيف بالرواية الأخرى:
(من غير خوف و لا مطر).
و منهم من تأوله على أنه كان في غيم فصلى الظهر ثم انكشف الغيم، و بأن وقت العصر دخل فصلاها. و هذا أيضا باطل، لأنه و إن كان فيه أدنى احتمال في الظهر و العصر، لا احتمال فيه في المغرب و العشاء.
و منهم من تأوله على تأخير الأولى إلى آخر وقتها، فلما فرغ منها دخلت الثانية فصلاها فصارت صلاته صورة جمع، و هذا أيضا ضعيف أو باطل لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل، و فعل ابن عباس الذي ذكرناه حين خطب، و استدلاله بالحديث لتصويب فعله، و تصديق أبي هريرة له، و عدم إنكاره صريح في رد هذا التأويل.
و منهم من قال: هو محمول على الجمع بعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه عن الأعذار، و هذا قول أحمد بن حنبل و القاضي حسين من أصحابنا و اختاره الخطابي و المتولي، و الروياني من أصحابنا و هو المختار في تأويله لظاهر الحديث، و لفعل ابن عباس، و موافقة أبي هريرة و لأن المشقة فيه أشد من المطر.
و ذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة، و هو قول ابن سيرين، و أشهب من أصحاب مالك، و حكاه الخطابي عن القفال، عن أبي إسحاق المروزي، عن جماعة من أصحاب الحديث، و اختاره ابن المنذر و يؤيده ظاهر قول ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته. فلم يعلله بمرض و لا غيره و اللّه أعلم [١].
و قال أشهب: إن للمقيم رخصة الجمع بين الصلاتين لغير عذر مطر و لا مرض.
قال الباجي: و هذا هو قول ابن سيرين [٢].
و قال الفخر الرازي- في تفسير قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ..... الآية- بعد أن فسر الدلوك و الغسق- ما هذا لفظه: فإن فسرنا الغسق بظهور
[١] شرح النووي لصحيح مسلم ٥: ٢١٨- ٢١٩.
[٢] شرح موطأ مالك، ١: ٢٥٥.