الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٩٠ - كتاب الإمام الصادق لأبي زهرة
من الزلل إلى آخر صفاته، و إذا لم يكن الإمام كذلك- كما نعتقد- فما الفرق بينه و بين غيره، و ما هو اختصاصه في تحمل عبء تبليغ الأحكام و رعاية الأمة.
و أعود فأقول إن الأسباب التي ذكرها في اعتذاره عن تأخير الكتابة عن الإمام الصادق هي أسباب واهية، لا تصلح أن تكون في نظر الاعتبار مانعة، و لئن كان الغلو و ادعاء الألوهية و ادعاء الرتبة المقاربة لرتبة النبوة مانعة، فإن التأخير عن الكتابة في أبي حنيفة أولى لأن أخباره قد رفعته إلى أسمى درجة من الكمال، و هي قريبة من مرتبة النبوة، بل فوقها، و المؤلف مع ذلك يقول: إن اتباع مذهبه غالوا في الثناء عليه حتى تجاوزوا فيه رتبة الفقيه المجتهد [١].
و هذه الكلمة لا تثير التشكيك، و لا تبعث على الدهشة، مع أنا وجدناهم يرفعون مقام أبي حنيفة إلى درجة لا يقاربها أحد، فهو بصورة الإنسان و سيرة الملك، كما يقول الأستاذ السيد عفيفي المحامي [٢].
و إنه وضع ستين ألف مسألة في الإسلام، ثمانية و ثلاثين ألفا في العبادات، و الباقي في المعاملات، و لولاها لبقي الناس في الضلالة [٣].
و إنه سراج الأمة. و معنى ذلك أنه دليل الهداية فاتباعه نجاة، و مفارقته وقوع في ظلمات الضلالة، إلى كثير من أقوال الغلو التي يقصد بها تقويم شخصيته، و إعلاء مكانته، و هذا كله هين بالنسبة إلى ادعاء مرتبة تعلو على مرتبة الصحابة، بل مرتبة النبوة، و إنه كلقمان الحكيم في عصره.
كما قالوا بأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أسف أن لا يكون في أمته مثل لقمان في حكمته، فأخبره جبرئيل إن كان في أمة داود مثل لقمان يتكلم بعدد كل حبة من الصبرة حكما، فنحن نجعل في أمتك نعمان يتكلم بعدد كل حبة من الصبرة مسائل و أجوبة ...
الخ [٤].
أي أن أبا حنيفة يصبح ملهما من اللّه في علمه، يتكلم بما لم يتكلم به غيره،
[١] مقدمة كتاب (أبو حنيفة) لأبي زهرة.
[٢] مقدمة كتاب (أبو حنيفة) للسيد عفيفي.
[٣] مفتاح السعادة ج ١ ص ٧١.
[٤] المناقب للمكي ج ١ ص ١٢.