الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٨ - المنصور و الإمام الصادق
يقصدها طلاب العلم و رجال الحديث على اختلاف نزعاتهم و كان ذكره حديث الأندية، و كل ذلك يشق على المنصور و ترتعد فرائصه كلما ذكر عنده جعفر بن محمد بخير.
و كم فكر المنصور في القضاء عليه و إلحاقه بقائمة الشهداء من أهل البيت، فلم يجد طريقا لذلك لأنه يخشى عاقبة الأمر فالإمام الصادق (عليه السلام) كان يزداد على مرور الأيام تمكنا في القلوب، و شهرة في الشعوب، تجبى إليه الأموال، و تشد لمدرسته الرحال، و تهوي إليه الأفئدة، و لم يعرف عنه أنه دعا إلى ثورة دموية، أو نازع في سلطان علنا ليكون ذلك من المبررات للوقيعة فيه، و قد اتخذ المنصور شتى الحيل في اتهامه فلم يستطع لذلك سبيلا [١] لأنه يرى أن دعوة الإمام الصادق و هي الدعوة الإصلاحية من أهم المشاكل التي تقف أمام تحقيق أهدافه، من انتحال السلطان الشرعي، و أن كل ما يفعله بإرادة اللّه و إذنه كما تقدم، فهو بتلك الإيحاءات يحاول أن يوجه الناس إلى الاعتقاد بصحة خلافته و أن الخروج عليه خروج على إمام المسلمين، و قد اتخذ شتى الأساليب في تنمية هذه الروح، ليسلم من المؤاخذة على ما يرتكبه من الفتك برجال الأمة، فهو يوجه الناس بأقواله ليجعلهم يؤمنون بصحة أعماله لأنها تصدر بمشيئة اللّه كما يزعم هو.
و كان الإمام الصادق (عليه السلام) يهدم ما يبنيه المنصور و يكذب ما يدعيه، فقد كان يعبر عنه بالطاغية و لم يخاطبه بأمير المؤمنين قط، و ما ورد في مساجلاته معه عند مقابلته بأنه خاطبه بهذا اللفظ، فإنما هو من تعبير الرواة و لهجتهم و تأتي في النصوص المنقولة مما يجب الانتباه إليه.
كيف تتحقق أهداف المنصور و لم يكسب رضا أعظم شخصية إسلامية، و أكبر زعيم ديني، و هو الإمام الصادق الذي كان نسيجا وحده في الاستقامة و الحرص على هداية الأمة، و لم يعرف الناس عنه إلا أنه داعية إلى اللّه مجاهد في نصرة الدين، محافظ على وحدة المسلمين في التمسك بتعاليم الإسلام و نبذ الحزازات و ترك الخرافات.
[١] راجع الجزء الرابع في: خلاصة الصراع بين دعوة الإمام الإصلاحية و دولة المنصور العباسية.