الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٦ - المنصور و الإمام الصادق
أما عند المجامع العامة و المواطن التي تحرك فيها الناس انتقاما لأهل بيت النبوة فكانوا يدارون المشاعر و لا يجرءون على القول بإمامتهم هذه التي لا يعرفها الناس إلا من خلال جهد الأئمة في علاج الكيسانية و أوهامهم التي تبعثها العاطفة المكبوتة فتؤثر في السلوك و المواقف ثم ما تلبث أن تثوب إلى الواقع بتصدي أئمة أهل البيت لتطويعها و تخفيف غمرة الانفعال عنها، و تسكين موجة التأثر تأسيا و تألما لما أصاب آل بيت النبوة من أهوال و فجائع، فاعتاض الناس بالخيال و الأوهام و راحوا ينسجون على منوال العاطفة أحوالا من النعيم و أوضاعا من الجنة في الجبال العالية.
و على أي حال كان العباسيون يريدون بذلك أن ينظر الناس إليهم كخلفاء للرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أمناء على شريعته، و أنهم ظل اللّه في أرضه، و رعاة عباده، مع عدم الصفات المؤهلة لهم إذ لم يبرزوا بالشكل الذي يحقق ذلك.
و كان المنصور هو أول من جاهر بالخطة و باشر بالتنفيذ، و قد أعلن ذلك على المنبر يوم عرفة بقوله:
أيها الناس إنما أنا سلطان اللّه في أرضه، أسوسكم بتوفيقه و تسديده، و أنا خازنه على فيئه، أعمل بمشيئته، و أقسمه بإرادته، و أعطيه بإذنه، فقد جعلني اللّه عليه قفلا إذا شاء أن يفتحني لأعطياتكم و قسم فيئكم فتحني الخ [١].
و خاطب أهل خراسان بقوله: ابتعثكم اللّه لنا شيعة و أنصارا، فأحيا اللّه شرفنا و عزنا بكم و أظهر حقنا، و أصار إلينا ميراثنا من نبينا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فقر الحق في قراره، و أظهر اللّه مناره، و أعز أنصاره، و قطع دابر القوم الذين ظلموا و الحمد للّه رب العالمين [٢].
و هذه اللهجة كانت لهجة خادعة و مغالطة يحاول أن يسيطر بها على عقول أولئك البسطاء، ليخنق فكرة المعارضة التي تؤدي بسلطانه إلى الانهيار، و ليستغل تلك الاستعدادات التي في نفوسهم لمناصرة الخلافة الحقة و يربط بين شعورهم و بينه، فإن هدف الثوار في تلك النهضة التي أطاحت بالحكم الأموي، هو إقامة دولة تحكم بكتاب اللّه و سنة رسوله و كانت الهتافات للدعوة إلى الرضا من آل محمد. و ظل العباسيون في غمار الثورة يحتفظون بادعائهم للإمامة كما أخفوا نواياهم التي بدأ
[١] الطبري ج ٩ ص ٣١.
[٢] مروج الذهب ج ٣ ص ٣١٤.