الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٧ - المنصور و الإمام الصادق
المنصور بإظهارها بالتدريج و يعلن عنها كما في كلامه لأهل خراسان:
يا أهل خراسان أنتم شيعتنا و أنصارنا، و لو بايعتم غيرنا لم تبايعوا خيرا منا و إن ولد أبي طالب تركناهم، و الذي لا إله إلا هو فلم نعرض لهم بقليل و لا بكثير؛ إلى أن يقول: فلما استقرت الأمور على قرارها من فضل اللّه و حكمه العدل، وثبوا علينا حسدا منهم، و بغيا لهم بما فضلنا اللّه عليهم و أكرمنا من خلافته ميراثنا من رسول اللّه [١].
و بهذا و غيره فقد تمكن من وضع طابع الدولة الشرعي صوريا، ليكسب لنفسه و لأحفاده من بعده حق وراثة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فإن استدراج البسطاء بأساليب التمويه و الخداع من السهولة بمكان، و لكن من العسير عليه أن يخدع ذوي الأفكار الواسعة، و العقائد الراسخة. لذلك كان يحسب لهم ألف حساب.
إنه يريد أن يتربع على دست الحكم، و يصبح خليفة للمسلمين و أميرا للمؤمنين، و بهذا يلزمه العمل بكتاب اللّه و سنة رسوله، و أن ينصح للمسلمين ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فإمرة المسلمين ليست شيئا هينا يستطيع كل من ولي أمر المسلمين أن يتلقب بها، و إنما هي تصور الأعباء الثقال، و العناء المتصل، و الجهد الذي ليس فوقه جهد في إقرار العدل و رفع الظلم، و إنصاف الضعفاء من الأقوياء، و تحقيق المساواة بين الناس و القيام فيهم بأمر الحزم كل الحزم حتى لا يطمع إلى ما لا ينبغي أن يبلغه، و فوق هذا كله إنصاف الناس من نفسه كإنصاف بعضهم من بعض.
و المنصور لا يتصف بشيء من ذلك فهو ظالم في حكمه، جائر على رعيته، قد استأثر بأموال الأمة و جعل بيت المال ملكا له دون المسلمين، و كانت سيرته لا ترتبط مع تعاليم الإسلام و مفاهيمه، و قد تعرضنا فيما سبق عن سوء سيرته و قبيح أعماله، كما و قد مرت الإشارة إلى قبضه على زعماء الطالبيين، و قتل جماعة منهم، و سجن آخرين ماتوا كلهم في السجن نتيجة للتعذيب الوحشي، و المعاملة القاسية التي سار عليها لتثبيت دعائم ملكه.
و لم يبق أمام عينه إلا الإمام الصادق (عليه السلام) و هو زعيم العلويين و سيد أهل البيت في عصره، و قد اشتهر ذكره و أقبلت الأمة على الأخذ منه، و كانت مدرسته
[١] المصدر السابق.