بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٦٧ - المسألة ٥٩ لا يشترط إذن الزوج للزوجة في الحج إذا كانت مستطيعة
عمر بن الخطاب، ويقدّر له جهوده، خلافاً لما يراه الشيعة الإمامية الاثنا عشرية.
وقد راجعت في سالف الزمان مصادر هذا الكلام في كتب الجمهور [١] وتبين لي [٢] أن قسماً من الكلام المذكور كان في الأصل لامرأة ندبت
[١] لاحظ تاريخ دمشق ج:٤٤ ص:٤٥٧، وتاريخ الأمم والملوك ج:٣ ص:٢٨٥، وتاريخ المدينة المنورة ج:٣ ص:٩٤١.
[٢] ما ذكر في أعلاه هو مختصر ما أورده السيد الأستاذ (دام تأييده) بشأن الكلام المذكور في كتابه (شبهات وردود في العقيدة والتاريخ). ويجدر إيراد نصه وهو:
(دلالة الثناء)
قيل: إن السيد الشريف الرضي (قدس سره) أورد في نهج البلاغة عن علي ٧ أنه قال: ((لله بلاء فلان لقد قوَّم الأود وداوى العمد وأقام السنة وخلف البدعة. ذهب نقي الثوب، قليل العيب. أصاب خيرها وسبق شرها. أدى إلى الله طاعته واتقاه بحقه. رحل وتركهم في طرق متشعبة، لا يهتدي إليها الضال ولا يستيقن المهتدي)) (نهج البلاغة ج:٢ ص:٢٢٢).
وقد حذف الشريف صاحب النهج لفظ (أبي بكر أو عمر) وأثبت بدله (فلان)، ولهذا الإيهام اختلف الشراح فقال البعض: هو أبو بكر، والبعض: عمر، ورجح الأكثر الأول، وهو الأظهر. وقد وصفه الإمام من الصفات بأعلى مراتبها فناهيك به وناهيك بها. وقد احتار الإمامية الإثناعشرية بمثل هذا النص لأنه في نهج البلاغة، وما في النهج عندهم قطعي الثبوت، وغاية ما أجابوا أن هذا المدح كان من الإمام لاستجلاب قلوب الناس لاعتقادهم بالخليفة أشد الاعتقاد.
ولا يخفى على المنصف أن فيه نسبة الكذب لغرض دنيوي مظنون الحصول، بل كان اليأس منه حاصلاً قطعاً، وفيه تضييع غرض الدين بالمرة، وأية ضرورة تلجئه إلى هذه التأكيدات والمبالغات، وفي هذا المدح العظيم الكامل تضليل الأمة وترويج الباطل (تأملات في كتاب نهج البلاغة ص:١٨).
أقول: يلاحظ (أولاً): أن اتهام السيد الشريف الرضي (رحمه الله) بحذف اسم الخليفة وتبديله بلفظة (فلان) اتهام باطل لا أساس له، بل الظاهر أنه نقل النص بحذافيره من المصدر الذي اعتمده في نسبة هذا الكلام إلى الإمام ٧ من غير زيادة ولا نقيصة.
ويدل على ذلك أن ابن الأثير أورد في مادة (ع م د) ما لفظه: (ومنه حديث علي: ((لله بلاء فلان فلقد قوَّم الأود وداوى العمد))) (النهاية في غريب الحديث والأثر ج:٣ ص:٢٩٧). فهل يحتمل في حق ابن الأثير أنه حذف اسم الخليفة من نص الحديث وأبدله بلفظ (فلان)؟!
و(ثانياً): أن المذكور في عدد من نسخ نهج البلاغة في عنوان الكلام المتقدم، ما لفظه: (ومن كلام له ٧ يريد به بعض أصحابه) (لاحظ طبعة مؤسسة الأعلمي ص:٤٧٣، وطبعة صبحي صالح ص:٣٥٠، وطبعة جماعة المدرسين بقم ص:١١١)، فإن ثبت اشتمال نسخة الأصل من النهج على العنوان المذكور لم يصح أن يكون المعني بفلان أحد الصاحبين، فإنهما لا يعدان من أصحاب الإمام ٧ كما لعله واضح.
ومن هنا رجّح بعض شراح النهج أن يكون المقصود بفلان هو مالك الأشتر (رضوان الله عليه) ، والأوصاف المذكورة في النص المتقدم تكاد أن تنطبق عليه بحذافيرها.
وأما ما رجحه القائل المشار إليه تبعاً لابن ميثم البحراني من كون المعني بفلان هو أبا بكر فضعيف كما يتضح مما سيأتي.
و(ثالثاً): أن الكتاب الوحيد الذي هو قطعي الثبوت عند الشيعة الإمامية هو (القرآن الكريم) الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأما غيره من الكتب فلا يوجد فيها ما يكون قطعي الثبوت بتمامه. وكتاب (نهج البلاغة) وإن كان عظيم القدر جليل الشأن إلا أنه لم يسلم من بعض الأخطاء مما تنبه له المحققون، ومنها ما وقع في هذا الموضع منه.
ولتوضيح ذلك لا بد من مقارنة ما ذكر في النهج منسوباً إلى الإمام ٧ بما ورد في المصادر الأخرى بشأن الفقرات التي يشتمل عليها النص المذكور.
وما عثرت عليه في مصادر الجمهور من ذلك هي النصوص الآتية ..
[١] أخرج ابن عساكر بإسناده عن ابن بحينة قال: لما أصيب عمر قلت: والله لآتين علياً فلأسمعن مقالته، فخرج من المغتسل فأطم ساعة فقال: ((لله نادبة عمر عاتكة وهي تقول: واعمراه مات والله قليل العيب، أقام العوج وأبرأ العمد، واعمراه ذهب والله بحظها ونجا من شرها، واعمراه ذهب والله بالسنة وأبقى الفتنة))، فقال علي: ((والله ما قالت ولكنها قولِّت)) (تاريخ مدينة دمشق ج:٤٤ ص:٤٥٧ــ٤٥٨).
[٢] أخرج الطبري بإسناده عن المغيرة بن شعبة قال: لما مات عمر بكته ابنة أبي حثمة فقالت: واعمراه أقام الأود وأبرأ العمد، أمات الفتن وأحيا السنن، خرج نقى الثوب بريئاً من العيب. قال: وقال المغيرة بن شعبة: لما دفن عمر أتيت علياً وأنا أحب أن أسمع منه في عمر شيئاً فخرج ينفض رأسه ولحيته وقد اغتسل وهو ملتحف بثوب لا يشك أن الأمر يصير إليه فقال: ((يرحم الله ابن الخطاب، لقد صدقت ابنة أبي حثمة، لقد ذهب بخيرها ونجا من شرها، أما والله ما قالت ولكن قوَّلت)) (تاريخ الطبري ج:٣ ص:٢٨٥).
[٣] وروى ابن عساكر بإسناده عن أوفى بن حكيم قال: لما كان اليوم الذي هلك فيه عمر خرج علينا علي مغتسلاً فجلس فأطرق ساعة ثم رفع رأسه فقال: ((لله در باكية عمر قالت: واعمراه قوم الأود وأبرأ العمد، واعمراه مات نقي الثوب قليل العيب، واعمراه ذهب بالسنة وأبقى الفتنة)) (تاريخ مدينة دمشق ج:٤٤ ص:٤٥٧).
[٤] وروى ابن شبة بإسناده عن عبد الله بن مالك بن عيينة الأزدي حليف بني مطلب قال: لما انصرفنا مع علي من جنازة عمر دخل فاغتسل، ثم خرج إلينا فصمت ساعة، ثم قال: ((لله بلاء نادبة عمر، لقد صدقت ابنة أبي حثمة حين قالت: واعمراه، أقام الأود وأبرأ العمد، واعمراه ذهب نقي الثوب قليل العيب، واعمراه أقام السنة وخلّف الفتنة))، ثم قال: ((والله ما درت هذا ولكنها قوّلته وصدقت، والله لقد أصاب عمر خيرها وخلف شرها، ولقد نظر له صاحبه فسار على الطريقة ما استقامت، ورحل الركب وتركهم في طرق متشعبة لا يدري الضال ولا يستيقن المهتدي)) (تاريخ المدينة ج:٣ ص:٩٤١ــ٩٤٢).
ويؤكد كون المقطع المذكور من كلام ابنة أبي حثمة ما رواه البلاذري عن المدائني أنه قال: (لما مات عمر رضي الله تعالى عنه ندبته ابنة أبي حثمة فقالت: واعمراه أقام الأود وأبرأ العمد وأمات الفتن وأحيا السنن، واعمراه خرج من الدنيا نقي الثوب بريئاً من العيب) (أنساب الأشراف ج:١٠ ص:٤٣٠).
ويلاحظ اتفاق المصادر المتقدمة على أن جملة من المقاطع الواردة في النص المنسوب إلى الإمام ٧ في نهج البلاغة إنما كانت من كلام نادبة عمر، فعدّها من كلام الإمام ٧ خطأ واشتباه.
وفي ما يلي جدول للمقاطع الواردة في نهج البلاغة مع ما يوافقها أو يقابلها مما ورد في المصادر الأخرى ..
نهج البلاغة: لله بلاء فلان
بن عساكر (١): لله نادبة عمر
الطبري: ـــــ
ابن عساكر (٢): لله درّ باكية عمر
ابن شبة: لله بلاء نادبة عمر
نهج البلاغة: قوّم الأود
بن عساكر (١): أقام العوج
الطبري: أقام الأود
ابن عساكر (٢): قوّم الأود
ابن شبة: أقام الأود
نهج البلاغة: داوى العمد
بن عساكر (١): أبرأ العمد
الطبري: أبرأ العمد
ابن عساكر (٢): أبرأ العمد
ابن شبة: أبرأ العمد
نهج البلاغة: أقام السنة وخلّف البدعة
بن عساكر (١): ذهب بالسنة وأبقى الفتنة
الطبري: أمات الفتن وأحيا السنن
ابن عساكر (٢): ذهب بالسنة وأبقى الفتنة
ابن شبة: أقام السنة وخلّف الفتنة
نهج البلاغة: ذهب نقي الثوب قليل العيب
بن عساكر (١): مات قليل العيب
الطبري: خرج نقي الثوب بريئاً من العيب
ابن عساكر (٢): مات نقي الثوب قليل العيب
ابن شبة: ذهب نقي الثوب قليل العيب
نهج البلاغة: ذهب بحظها ونجا من شرها
بن عساكر (١): ذهب بحظها ونجا من شرها
الطبري: ذهب بخيرها ونجا من شرها
ابن عساكر (٢): ـــــ
ابن شبة: أصاب خيرها وخلّف شرها
نهج البلاغة: أدى لله طاعته واتقاه بحقه
بن عساكر (١): ـــــ
الطبري: ـــــ
ابن عساكر (٢): ـــــ
ابن شبة: ولقد نظر له صاحبه فسار على الطريقة ما استقامت
نهج البلاغة: رحل وتركهم في طرق متشعبة لا يهتدي إليها الضال ولا يستيقن المهتدي
بن عساكر (١): ـــــ
الطبري: ـــــ
ابن عساكر (٢): ـــــ
ابن شبة: ورحل الركب وتركهم في طرق متشعبة لا يدري الضال ولا يستيقن المهتدي
ويتضح بملاحظة الجدول المذكور ..
١ ــ أن المقطع الأول الوارد في النهج وهو قوله: (لله بلاء فلان) كان في الأصل: (لله نادبة عمر)، أو ما يقرب منه.
٢ ــ وأن المقاطع الأربعة التي بعده، أي من المقطع الثاني إلى الخامس كانت من كلام نادبة عمر.
وتختلف المصادر في أن الإمام ٧ هل ارتضى كلامها وصدّقها في ما قالت أو لا، فالمستفاد مما ورد في تاريخ ابن عساكر وتاريخ ابن شبة هو الأول، فيما لم يرد في تاريخ الطبري ما يدل على ذلك، بل المستفاد منه أنه ٧ إنما صدقها في المقطع السادس الآتي.
ويلاحظ اشتمال المصادر الثلاثة على تأكيد الإمام ٧ على أن ما صدر من النادبة بشأن عمر لم يكن مما قالته بل قوّلته، والمقصود أنه قد ألقي على لسانها التكلم به، أي لقّنت إياه، قال الزمخشري (الفائق في غريب الحديث ج:١ ص:٥٩) وغيره: إن (المعنى أن الله أجراه على لسانها)، ولكن لعل الإمام ٧ استخدم هذا التعبير وأراد به معنى آخر تورية، أي أراد أن بعض الإنس أو الجن أجراه على لسانها.
ومهما يكن فلا إشكال في أن المقاطع الأربعة المذكورة لم تكن للإمام ٧ فنسبتها إليه ــ كما في نهج البلاغة ــ خطأ محض.
٣ ــ وأما المقطع السادس فالمستفاد مما ورد في تاريخ ابن عساكر عن ابن بحينة وفي تاريخ الطبري هو أنه كان من كلام النادبة، ولكن ظاهر المذكور في تاريخ ابن شبة أنه كان من كلام الإمام ٧ عقّب به على كلام النادبة.
٤ ــ وأما المقطع السابع فلا يوجد إلا في نهج البلاغة وتاريخ ابن شبة وبينهما اختلاف تام فيه.
٥ ــ وأما المقطع الثامن فيكاد يتفق ما ورد في نهج البلاغة وما ورد في تاريخ ابن شبة بشأنه، ولا يوجد هذا المقطع في سائر المصادر.
وفي ضوء ما تقدم يمكن أن يقال: إن ما لا تختلف فيه المصادر المتقدمة هو أن الإمام ٧ قال في حق عمر أو صدّق كلام النادبة في حقه (ذهب بحظها ونجا من شرها)، أو ما يقرب من هذا المضمون.
وأنه ٧ أضاف في حق الخليفة قوله: ((رحل وتركهم في طرق متشعبة لا يهتدي إليها الضال ولا يستيقن المهتدي))، أو ما يقرب منه.
والملاحظ أن كلا المقطعين ليس صريحاً في مدح الخليفة، بل يحتملان الذم أيضاً، بل هما إلى الذم أقرب منه إلى المدح، والظاهر أن الإمام ٧ اختار التوري بهما.
وكيف يمدح ٧ من قال عنه بعد سنوات: ((صيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ويخشن مسها ويكثر العثار فيها والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم وإن أسلس لها تقحم، فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس، وتلوّن واعتراض. فصبرت على طول المدة وشدة المحنة. حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم)) (نهج البلاغة ج:١ ص:٣٣).