بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٠٥ - إذا بني على نفوذ الرجوع فهل يضمن الباذل ما يتحمله المبذول له في سبيل إتمام الحج والعود إلى وطنه؟
وظاهر الحال مما يعتمد عليه عند العقلاء في هذه الموارد ونظائرها، ولا يتعارف عندهم فيها مزيد الفحص والاستيثاق بطريقة أخرى.
وأما الموارد التي لا يحكم العقلاء فيها بضمان الغار فيجمعها أنه ما كان ينبغي للمغرور عندهم أن يعتمد فيها على قول الغار وحده بل كان يجدر به أن يحقق عما قاله قبل ترتيب الأثر عليه كما في مثال المريض، فإنه لم يكن ينبغي له أن يأخذ بقول شخص غير متخصص في كون الطعام الكذائي مفيداً في التخفيف من أعراض مرضه، وكذلك في مثال المعدن والتاجر فإنه لا ينبغي الاعتماد على مجرد دعوى شخص بوجود معدن في مكان أو إمكان بيع البضاعة في بلد بسعر جيد، بل يفترض اتخاذ إجراءات للتحقق في صحة الدعوى قبل ترتيب الأثر على ذلك.
ولو فرض أن المغرور اطمأن بما أخبره به الغار فإن لم يكن اطمئنانه مستنداً إلى المناشئ العقلائية ــ أي التي يرى العقلاء أنه ينبغي حصول الاطمئنان منها ــ لم يُجدِه شيئاً ولم يمكن أن يحمّل الغار مسؤولية ما وقع عليه من الخسارة، وإن كان اطمئنانه مستنداً إلى المناشئ العقلائية كأن ضم إلى قول الغار بعض القرائن والشواهد وبمجموعها حصل له الاطمئنان فعمل به لم تقع المسؤولية على الغار أيضاً، لأن المفروض أن ما قام به لم يكن هو السبب في ما وقع على المغرور من الخسارة بل اطمئنانه الذي تبين عدم مطابقته للواقع.
وبما تقدم يعلم أنه لا بد من التفريق في الأمثلة المتقدمة ونظائرها بين كون الغار مجرد مخبر وبين كونه من أهل الخبرة والاختصاص، فما ذكر من عدم ضمان الغار إنما هو فيما إذا كان مخبراً عادياً، وأما إذا فرض أن الطبيب غرَّ المريض أو أن الخبير في المعادن أو التجارة غرَّ غيره فإنه يحكم بضمانهم، لما يقع على المغرور من الخسارة، لأن الاعتماد على قول الثقة من أهل الخبرة مما بنى عليه العقلاء وجرت عليه سيرتهم، فإذا تبين أنه غرَّ مراجعه وأوقعه في خسارة مالية من جراء اعتماده عليه يكون ضامناً لتلك الخسارة.
هذا ما يبدو لي في جريان قاعدة الغرور وفق الارتكاز العرفي والسيرة